إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٦٢ - ٢٧ - و من عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه حين قلده مصر
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمَوْتَ وَ قُرْبَهُ، وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَ خَطْبٍ جَلِيلٍ، بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، أَوْ شَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً. فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا! وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلنَّارِ مِنْ عَامِلِهَا! وَ أَنْتُمْ طُرَدَاءُ[١] اَلْمَوْتِ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ. اَلْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ؛ وَ اَلدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ.
فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ. دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَ لاَ تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، وَ لاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ. وَ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اَللَّهِ، وَ أَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ اَلْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَ إِنَّ أَحْسَنَ اَلنَّاسِ ظَنّاً بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ.
وَ اِعْلَمْ - يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ - أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ[٢] أَعْظَمَ أَجْنَادِي[٣] فِي نَفْسِي، أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ[٤] أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ، وَ أَنْ تُنَافِحَ[٥] عَنْ دِينِكَ، وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلاَّ سَاعَةٌ مِنَ اَلدَّهْرِ، وَ لاَ تُسْخِطِ اَللَّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي اَللَّهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَ لَيْسَ مِنَ اَللَّهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ.
صَلِّ اَلصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا اَلْمُؤَقَّتِ لَهَا، وَ لاَ تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ، وَ لاَ تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاِشْتِغَالٍ. وَ اِعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاَتِكَ.
وَ مِنْهُ: فَإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ، إِمَامُ اَلْهُدَى وَ إِمَامُ اَلرَّدَى، وَ وَلِيُّ اَلنَّبِيِّ، وَ عَدُوُّ اَلنَّبِيِّ.
[١] طُرَدَاءُ: جمع طريد أي مطرود، و الطريدة ما طردت من صيد أو غيره، و طردته نفيته عنّي.
[٢] قَدْ وَلَّيْتُكَ: أي ملكتك، من ولى الشيء بكسر العين في الماضي و المضارع ولاية و ولاية بكسر الواو و فتحها إذا قام به و ملك أمره.
[٣] أَجْنَادِ: جمع الجند بمعنى العسكر.
[٤] مَحْقُوقٌ: أي حقيق و جدير.
[٥] تُنَافِحَ: نافحت عنه أي خاصمت عنه، و جاهدت و ذبت و دافعت، و يقال: نافحه إذا كافحه و دافعه.