إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٧٢ - وصايا شتى
كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ فِي اَلطَّلَبِ، وَ أَجْمِلْ[١] فِي اَلْمُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ[٢]؛ وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَ لاَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ. وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى اَلرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً، وَ لاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اَللَّهُ حُرّاً. وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِشَرٍّ، وَ يُسْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِعُسْرٍ؟!
وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ[٣] بِكَ مَطَايَا اَلطَّمَعِ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ اَلْهَلَكَةِ. وَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ، وَ آخِذٌ سَهْمَكَ، وَ إِنَّ اَلْيَسِيرَ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنَ اَلْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ.
وَ تَلاَفِيكَ[٤] مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ، وَ حِفْظُ مَا فِي اَلْوِعَاءِ بِشَدِّ اَلْوِكَاءِ[٥]، وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ. وَ مَرَارَةُ اَلْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ اَلطَّلَبِ إِلَى اَلنَّاسِ، وَ اَلْحِرْفَةُ[٦] مَعَ اَلْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ اَلْغِنَى مَعَ اَلْفُجُورِ، وَ اَلْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ، وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ[٧]، وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ. قَارِنْ أَهْلَ اَلْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَ بَايِنْ أَهْلَ اَلشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ. بِئْسَ اَلطَّعَامُ اَلْحَرَامُ! وَ ظُلْمُ اَلضَّعِيفِ أَفْحَشُ اَلظُّلْمِ! إِذَا كَانَ اَلرِّفْقُ[٨] خُرْقاً كَانَ اَلْخُرْقُ رِفْقاً. رُبَّمَا كَانَ اَلدَّوَاءُ دَاءً، وَ اَلدَّاءُ دَوَاءً. وَ رُبَّمَا نَصَحَ
[١] التّخْفِيضُ و الإِجْمَالُ: ترك الحرص في طلب الدّنيا.
[٢] الحَرَب: سلب المال و فنائه.
[٣] أَوْجَفَت: أسرعت.
[٤] التَّلافِي: التدارك.
[٥] الْوِكَاءِ: حبل يشدّ به رأس القربة.
[٦] الْحِرْفَةُ: الاكتساب بالتعب.
[٧] أَهْجَرَ: أهجر الرجل: إذا أفحش في منطقه.
[٨] الرِّفْقُ: الخرق ضدّه.