إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٦٧ - ٣١ - و من وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهما السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين
فِي اَلْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ تَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ، وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ اَلْأَمْرِ، وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ، وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ! فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ، وَ لْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ، وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ.
وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ اَلرَّسُولُ صلى الله عليه و آله فَارْضَ بِهِ رَائِداً، وَ إِلَى اَلنَّجَاةِ قَائِداً، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً. وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي اَلنَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَ إِنِ اِجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ.
وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ، وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ. لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ. أَوَّلٌ قَبْلَ اَلْأَشْيَاءِ بِلاَ أَوَّلِيَّةٍ، وَ آخِرٌ بَعْدَ اَلْأَشْيَاءِ بِلاَ نِهَايَةٍ. عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ، وَ قِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ، و عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَ اَلْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَ اَلشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلاَّ بِحَسَنٍ، وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلاَّ عَنْ قَبِيحٍ.
يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ اَلدُّنْيَا وَ حَالِهَا، وَ زَوَالِهَا وَ اِنْتِقَالِهَا، وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ اَلْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا، وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا اَلْأَمْثَالَ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا، وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا[١]. إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ اَلدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ[٢] نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ،
[١] حَذَا عَلَيْهِ: اقتدى به.
[٢] قَوْمٍ سَفْرٍ: بالتسكين، أي: مسافرون.