إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢١ - ٣ - و من كتاب له عليه السلام لشريح بن الحارث قاضيه
يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ[١] لاَ يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ[٢]، وَ لاَ يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ[٣]، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً[٤]، وَ يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ[٥] خَالِصاً[٦]. فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لاَ تَكُونُ اِبْتَعْتَ هَذِهِ اَلدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ اَلثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلاَلِكَ[٧]! فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ اَلدُّنْيَا وَ دَارَ اَلْآخِرَةِ! أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اِشْتَرَيْتَ، لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ اَلنُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ[٨] هَذِهِ اَلدَّارِ
[١] سَيَأْتِيكَ مَنْ: المراد من (مَن) إمّا الموت أو ملك لموت، و الثاني أولى؛ لأنّ (مَن) يستعمل غالباً في ذوي العقول، كما أنّ (ما) يستعمل غالباً في غير ذوي العقول، و إنّما قلنا غالباً؛ لأنّ ما قد يستعمل في ذوي العقول، كقوله تعالى: (وَ اَلسَّمٰاءِ وَ مٰا بَنٰاهٰا) [الشمس - ٥]، و من في غير ذوي العقول كقوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ بَطْنِهِ) [النور - ٤٥]، و التفصيل مذكور في الموصولات من كتب النحو.
[٢] لا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ: يقال: نظره و نظر إليه إذا أبصره بعينه، و نظر فيه: إذا تدبّره و فكَّر فيه، يقدّره و يقيسه، و منه قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ * فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات -٨٨-٨٩]، و لذا قال بعضهم: إنَّ نظر يتعدّى إلى المبصرات بنفسه، و يتعدّى إلى المعاني ب (في).
[٣] لا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ: السؤال إذا كان بمعنى الاستخبار، يتعدّى إلى مفعولين، إلى الأوّل بنفسه و إلى الثاني ب (عن) كما في المقام، و قد يتعدّى إلى الثاني بالباء مضمّنة معنى (عن)، نحو: سل به خبيراً، أي سل عنه، و قد تخفف الهمزة من فعله، فيقال: سال يسال سل و مسول كخاف يخاف خف و مخوف.
البيّنة: الحجّة، و في نسخة الأربعين (عن بيتك)، أي: دارك الَّتي اشتريتها، و الأوّل أنسب بالمقام، و ما يختلج في البال أنَّ الثاني حرّف من الكتّاب، و إلَّا لقال عليه السّلام: حتّى يخرجك منه، لا من دارك، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، على أنّ النسختين متفقتان في الأوّل. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٤] شَاخِصاً: إشارة إلى قوله تعالى: (إِنَّمٰا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ اَلْأَبْصٰارُ) [إبراهيم - ٤٢]، و قوله تعالى: (وَ اِقْتَرَبَ اَلْوَعْدُ اَلْحَقُّ فَإِذٰا هِيَ) [الأنبياء - ٩٧]. قال الراغب في المفردات: قال تعالى: (تَشْخَصُ فِيهِ اَلْأَبْصٰارُ)، شاخصة أبصارهم، أي: أجفانهم لا تطرف. و في مجمع البيان التفسير: شخص المسافر شخوصاً إذا خرج من منزله، و شخص عن بلد إلى بلد و شخص بصره إذا نظر إليه كأنه خرج إليه. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٥] يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ: من التسليم، أي: يعطيك قبرك و يناولك إيّاه، يقال: سلَّمه إلى فلان، أي: أعطاه إيّاه فتناوله منه، و يمكن أن يؤخذ من الإسلام؛ لأنّ أسلم جاء بمعنى سلَّم أيضاً يقال: فلان أسلم أمره إلى فلان، أي سلَّمه إليه.
[٦] خَالصاً: الخالص هو المحض، و المراد هنا العاري من أعراض الدّنيا و حطامها، أي: يخرجك عارياً منها.
[٧] نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلالِكَ: يقال: نقدته و نقدته لفلان الثمن، أي: أعطيته إيّاه نقداً معجّلاً، المراد أنك ابتعتها بيعاً نقداً، أي بيع الحال بالحال.
[٨] تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ: الأفعال كما تتغير معانيها بتغيّر الأبواب سواء كانت الأبواب مجرّدة أو غير مجرّدة كذلك تتغيّر معانيها بتغيّر صلاتها، و كذا الحكم في مصادرها، فالرغبة و مشتقاتها إذا كانت صلتها كلمة (في) الجارة تفيد معنى الإرادة و الميل إلى الشيء و نحوهما، يقال: رغب في الشيء إذا أراده و أحبّه، و مال إليه و طمع فيه و حرص عليه، و إذا كانت صلتها كلمة (عن) الجارة تفيد الإعراض و الترك، يقال: رغب عنه إذا زهد فيه و لم يرده و أعرض عنه و تركه، قال تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلاّٰ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة - ١٣٠].