إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٢٩ - الإعْراب
كَثِيرٍ: مضاف إليه مجرور و علامة جرّه الكسرة الظاهرة، و الثانية للتنوين.
للهِ: اللام: حرف جرّ مبني على الكسر لا محلّ له من الإعراب، اللهِ: لفظ الجلالة اسم مجرور و علامة جرّه الكسرة الظاهرة، و الجارّ و المجرور متعلّقان بخبر مقدّم محذوف.
أَنْتُمْ: ضمير منفصل مبني على السكون واقع في محلّ رفع مبتدأ، و جملة (للهِ أَنْتُمْ) استئنافية[١].
أمَا: حرف طلب و تحضيض مبني على السكون لا محلّ له من الإعراب.
[١] قوله عليه السّلام: للَّه أنتم، قال الشارح المعتزلي: للَّه في موضع رفع؛ لأنّه خبر عن المبتدأ الذي هو أنتم، و مثله للَّه درّ فلان، و للَّه بلاد فلان، و للَّه أبوك، و اللَّام ههنا فيها معنى التعجّب، و المراد بقوله: للَّه أنتم للَّه سعيكم أو للَّه عملكم كما قالوا: للَّه درّك، أي: عملك، فحذف المضاف، و أقام الضمير المنفصل المضاف إليه مقامه، قال الشارح: و لا يجيء هذه اللَّام بمعنى التعجّب في غير لفظ الله كما أنّ تاء القسم لم تأت إلَّا في اسم الله، انتهى. و قال الرّضي: قولهم إنّ لام القسم يستعمل في مقام التعجّب يعنون الأمر العظيم الَّذي يستحقّ أن يتعجّب منه، فلا يقال للَّه لقد قام زيد، بل يستعمل في الأمور العظام نحو للَّه لتبعثنّ، و قيل إنّ اللَّام في (لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ) [قريش - ١]، (و لِلْفُقَرٰاءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا) [البقرة - ٢٧٣]، للتعجّب، و الأولى أن يقال: إنَّها للاختصاص؛ إذ لم يثبت لام التعجّب، إلَّا في القسم، انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: المستفاد من نصّ كلام الشارح، أنّ لام التعجّب مختصّة بالدّخول على لفظ الجلالة، و من ظاهر كلام الرّضي أنّها ملازمة للقسم، و يشكل ذلك في نحو: للَّه درّه، و للَّه أبوك، و للَّه أنتم و ما ضاهاها، لأنّهم اتّفقوا على أنّها في هذه الأمثلة للتعجّب مع أنّه لا معنى للقسم، بل لا تصوير له فيها، إذ لو كانت للقسم لاحتاجت إلى الجواب و ليس فليس. و قد صرّح الرضيّ نفسه في مبحث التمييز من شرح مختصر ابن الحاجب، بأنّ معني للَّه درّه فارساً، عجباً من زيد فارساً و هو يعطى أنّها فيه للتعجّب فقط لا للتعجّب و القسم على أنها لو جعلت للقسم لا يكون للَّه خبراً مقدّماً و درّه مبتدأ، و لا يكون للدّرّ عامل رفع كما هو ظاهر لا يخفى، و بعد اللَّتيا و اللَّتي فالتحقيق أن يقال: إنّ اللَّام قد تكون للتعجّب مجرّدة عن القسم و لا يلزم دخولها على لفظ الجلالة كما زعمه الشارح المعتزلي بل قد تدخل عليه كما في للَّه درّه فارساً و للَّه أنت و قوله:
شباب و شيب و افتقار و ثروة
فللَّه هذا الدّهر كيف تردّدا.
و قد تدخل على غيره كما في (لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ) [قريش - ١] أي: أعجبوا لإيلاف قريش، كما حكاه في الكشّاف عن بعضهم و في قوله:
فيا لك من ليل كأنّ نجومه
بكلّ مغار القتل بشدّت بيذبل و قد تكون للتعجّب و القسم معاً، و هذه مختصّة بالدّخول على لفظ الجلالة كما في للَّه لا يؤخّر الأجل، و قوله تعالى: (وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) [التغابن - ٧]، و قول الشاعر:
للَّه يبقى على الأيّام ذو حيد
بمسمخرّ به الظبيان و الاس
فقد ظهر من ذلك أنّ لام القسم ملازم للتعجّب، و لام التعجّب غير ملازم للقسم، كما زعمه الرّضي، و لا للدّخول على لفظ الجلالة كما زعمه الشارح المعتزلي هذا. و أمّا تحقيق معنى التعجّب في هذه الموارد فهو ما أشار إليه الرّضي فيما حكى عنه بقوله: و أمّا معنى قولهم للَّه درّك، فالدّر في الأصل ما يدرّ، أي: ينزل من الضّرع من اللَّبن و من الغيم من المطر، و هو هنا كناية عن فعل الممدوح و الصادر عنه، و إنما نسب فعله إليه قصداً للتعجّب منه؛ لأنّ الله تعالى منشئ العجائب، فكلّ شيء عظيم يريدون التعجّب منه ينسبونه إليه تعالى و يضيفونه إليه نحو قولهم: للَّه أنت، و للَّه أبوك، فمعنى للَّه درّه ما أعجب فعله. و قال عزّ الدّين الزنجاني في محكيّ كلامه من شرح الهادي: للَّه درّه، كلام معناه التعجّب، و العرب إذا أعظموا الشيء غاية الإعظام أضافوه إلى الله تعالى إيذاناً بأنّ هذا الشيء لا يقدر على إيجاده إلَّا الله تعالى، و بأنّ هذا جدير بأن يتعجّب منه لأنّه صادر عن فاعل قادر مصدر للأشياء العجيبة هذا.