إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٣٢ - انواع الظلم
اَلْأَمْرِ اَلْوَاضِحِ، فَلاَ يَصَمُّ[١] عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ، وَ لاَ يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَعْمَى. وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِالْبَلاَءِ وَ اَلتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْعِظَةِ، وَ أَتَاهُ اَلتَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ. وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ رَجُلاَنِ: مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ، وَ لاَ ضِيَاءُ حُجَّةٍ.
وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ «حَبْلُ اَللَّهِ اَلْمَتِينُ» وَ سَبَبُهُ[٢] اَلْأَمِينُ، وَ فِيهِ رَبِيعُ اَلْقَلْبِ، وَ يَنَابِيعُ اَلْعِلْمِ، وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلاَءٌ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ اَلْمُتَذَكِّرُونَ، وَ بَقِيَ اَلنَّاسُونَ أَو اَلْمُتَنَاسُونَ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَ إِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله كَانَ يَقُولُ: «يَا اِبْنَ آدَمَ اِعْمَلِ اَلْخَيْرَ وَ دَعِ اَلشَّرَّ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ[٣] قَاصِدٌ».
أَلَا وَ إِنَّ اَلظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ: فَظُلْمٌ لاَ يُغْفَرُ، وَ ظُلْمٌ لاَ يُتْرَكُ، وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ يُطْلَبُ. فَأَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: [النساء -٤٨]. وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ اَلْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ اَلْهَنَاتِ[٤]، وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي لاَ يُتْرَكُ فَظُلْمُ اَلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً. اَلْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لاَ ضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَ لَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ. فَإِيَّاكُمْ وَ اَلتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اَللَّهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ اَلْحَقِّ، خَيْرٌ
[١] يَصَمُّ: صمّت الأذن صمماً، من باب تعب: بطل سمعها هكذا فسّره الأزهري و غيره، و يسند الفعل إلى الشخص أيضاً، فيقال: صمّ يصمّ صمماً، فالذكر أصمّ و الأنثى صمّاء و الجمع صمّ، مثل أحمر و حمراء و حمر، و يتعدّى بالهمزة فيقال: أصمّه الله، و ربما استعمل الرباعي لازماً على قلَّة و لا يستعمل الثلاثي متعدّياً، فلا يقال: صمّ الله الأذن، و لا يبنى للمفعول فلا يقال صمّت الأذن.
[٢] سَبَبُهُ: السَّبَبُ: الحبل، و هو ما يتوصّل به إلى الاستعلاء، ثمّ استعير لكلّ ما يتوصّل به إلى الأمور، فقيل هذا: سبب هذا و هذا مسبّب عن هذا.
[٣] الجَوَادُ: الفرس السابق الجيد.
[٤] الْهَنَاتِ: هن بالتخفيف كأخ، كناية عن كل اسم جنس، كما في مصباح اللغة للفيومي، أو عما يستقبح ذكره، و لامها محذوفة، ففي لغة هي ها فيصغّر على هنيهة، و منه يقال: مكث هنيهة، أي: ساعة لطيفة، و في لغة هي واو فيصغّر في المؤنّث على هنية و الهمز خطاء إذ لا وجه له و جمعها هنوات، و ربما جمعت على هنات مثل عدات، هكذا في المصباح، و ضبطه الفيروزآبادي بفتح الهاء، و هكذا فيما رأيته من نسخ النهج.