منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٩ - و اما الفصل الثالث
رابحة «و لا بيع عن ذكر اللّه» مبالغة بالتعميم بعد التّخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بافراد ما هو أهمّ من قسمى التجارة فانّ الرّبح يتحقّق بالبيع و يتوقّع بالشّرا، و قيل: المراد بالتّجارة الشّرى فانّه أصلها و مبدؤها.
(يقطعون به أيّام الحياة) أى أيّام حياتهم، و يحتمل أن يكون المعنى أنّهم يقطعون بالاشتغال به عن العلايق الدّنيويّة في تمام عمرهم، فتكون أيّام الحياة مفعولا فيه لا مفعولا به و الأوّل أظهر.
(و يهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين) عن ذكر اللّه أى يصيحون بالمواعظ البالغة و النّصايح الزّاجرة في أسماع أهل اللّهو و الغفلة زجرا لهم أى إزعاجا و إبعادا عن المحارم (يأمرون) غيرهم (بالقسط) و العدل (و يأتمرون) أى ينقادون (به) في أنفسهم (و ينهون عن) الفحشاء و (المنكر و يتناهون) أى يكفّون (عنه) في ذاتهم لما عرفت في شرح الخطبة المأة و الرابعة أنّ النّهى عن المنكر إنّما هو بعد التناهى عنه.
(فكأنّما قطعوا الدّنيا) و انتهوا (إلى الاخرة و هم فيها) أى و الحال أنّهم في الدّنيا فكأنّهم قطعوها و مضوا إلى الدّار الأخرى (فشاهدوا) بعين اليقين (ما وراء ذلك) العالم.
(فكأنّما) هم و الجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون و على الأرائك متّكؤون و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون و من هولها مصطرخون و كأنما (اطلعوا عيوب أهل البرزخ في طول الاقامة فيه) أى علموا فظايع البرزخ و شدايد أهله الغايبة عن نظر أهل الدّنيا في مدّة الاقامة المتمادية الطويلة لهم فيه (و) كأنما مجاز (حقّقت القيامة عليهم عداتها) في إسناد التحقيق إلى القيامة و كذا إضافة العدات إلى ضميرها تجوّز، و المراد كأنّ القيامة قد قامت عليهم و حقّق اللّه تعالى مواعيده التي تكون فيها من تكوير الشمس و طمس النجوم و تسيير الجبال و حشر الوحوش و كون الناس كالفراش المبثوث و الجبال كالعهن المنفوش و فرار المرء من أخيه و امّه و أبيه و صاحبته و بنيه لكلّ امرء منهم يومئذ شأن يغنيه