منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٤٨ - المعنى
فكذلك ينبغي أن يفهم ترقي العبد في درجات القرب، فكلّما صار أكمل صفة و أتمّ علما و إحاطة بحقايق الامور و أثبت قوّة في قهر الشيطان و قمع الشهوات و أظهر نزاهة عن الرزائل صار أقرب من درجة الكمال و منتهى الكمال للّه و قرب كلّ أحد من اللّه بقدر كماله.
نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الاستاد و على مساواته و على مجاوزته، و ذلك في حقّ اللّه تعالى محال فانه لا نهاية لكماله و سلوك العبد في درجات الكمال متناه و لا ينتهى إلّا إلى حدّ محدود، فلا مطمع له في المساواة.
ثمّ درجات القرب تتفاوت تفاوتا لا نهاية له أيضا، لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال، فاذا محبة اللّه للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل و المعاصى عنه و تطهير باطنه من كدورات الدّنيا و رفع الحجاب من قلبه حتّى يشاهده كأنّه يراه بقلبه.
و أما محبة العبد للّه فهو ميله إلى درك ذلك الكمال الذى هو مفلس عنه فاقد له فلا جرم يشتاق إلى ما فاته و إذا أدرك منه شيئا يلتذّ به، و الشّوق و المحبّة بهذا المعنى محال على اللّه، انتهى كلامه ملخّصا.
و محصّله ما قاله بعض المحقّقين من أنّ محبّة اللّه للعبد كشف الحجاب عن قلبه و تمكينه من أن يطأ على بساط قربه، فانما يوصف به سبحانه باعتبار الغايات لا المبادى، و علامة حبّه للعبد توفيقه للتّجافي عن دار الغرور و الترقي إلى عالم النور و الانس باللّه و الوحشة ممّن سواه و صيرورة جميع الهموم هما واحدا.
و قال بعض الشارحين للحديث القدسي: إذا أحببت عبدى كنت سمعه الذى يسمع به آه، إنّ هذا مبالغة للقرب و بيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد و باطنه و سرّه و علانيته، فالمراد إني اذا أحببت عبدى جذبته إلى محلّ الانس و صرفته إلى عالم القدس، فصيرته مستغرقا في عالم الملكوت، و حواسّه مقصورة على اجتذاب أنوار الجبروت، فتثبت حينئذ فى مقام القرب قدمه، و يمتزج بالمحبّة لحمه و دمه