منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٥ - المعنى
و ذلك لأنّه إن قال في مقام الجواب، غرّنى كرمك فهو جواب سقيم لأنّ كثرة الكرم و التفضّل و الاحسان تقتضى الجدّ و الاجتهاد في العبوديّة و العبادة و الشكر و الطّاعة لا الاغترار و الكفران و التّوانى و الخلاف و العصيان.
و إن قال: غرّنى الشّيطان فيقال له: ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشّيطان إنّه لكم عدوّ مبين و أن اعبدونى هذا صراط مستقيم.
و إن قال: غرّنى جهلى فيقال له: أفلم ارسل إليكم المرسلين مبشّرين و منذرين و علّمتكم الأحكام و التكاليف بما انزلت فى صحف الأوّلين و زبر الاخرين كيلا تقولوا إنّا كنّا عن هذا غافلين.
(و) بذلك ظهر أيضا أنّه (أقطع مغتر معذرة) يعنى أنّه إن اعتذر عن اغتراره بعذر من المعاذير السّابقة و ما ضاهاها فعذره أقطع الأعذار و أسقطها عن درجة الاعتبار كما قال عزّ من قائل فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ.
(لقد أبرح جهالة بنفسه) أى اشتدّ بنفسه من حيث الجهالة، قيل: الجهالة اختيار اللّذة الفانية علي اللّذة الباقية، و قيل: اجتمعت الصّحابة على أنّ كلّ ما عصى اللّه به فهو جهالة و كلّ من عصى اللّه فهو جاهل استفهام توبيخى- استفهام انكارى (يا أيّها الانسان ما جرّاك على ذنبك و ما غرّك بربّك و ما آنسك بهلكة نفسك) هذه الاستفهامات الثلاثة واردة في معرض التّوبيخ و الانكار على أسباب الجرءة و الاغترار و الانس بالقاء النفس في الهلكات و توريطها في الموبقات قال الشارح البحرانى و يحتمل أن يكون قوله:
ما آنسك تعجّبا.
(أما من دائك بلوى أم ليس من نومتك يقظة أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك) هذه الاستفهامات كسابقتها أيضا واردة في مقام الانكار و التقريع لكنّها لدخولها على النفى تفيد العرض و الطلب أى طلب البراءة من داء الذنوب و أسقام الاثام و الانتباه من نومة الغفلة و الجهالة و الترحّم و العطوفة للنفس مثل الترحّم و العطف للغير و حاصله أنه لا ينبغي لك عدم البراءة و اليقظة و الرّحمة.