منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٣ - المعنى
و بعد التنزّل عن ذلك نقول: إنّ التفاخر إنّما يكون باثبات الانسان نوعا من أنواع الكمال لنفسه و خيال الكمال ثلاثة: أحدها في النفس، و الثاني في البدن و الثالث فيما له ربط بالبدن من خارج أما الذى في النفس فهى العلوم و المعارف و الأخلاق الفاضلة الّتي بها تنال السّعادة الأبديّة.
و أمّا الّذى في البدن فهي الصحّة و الجمال.
و أمّا الّذى له ربط بالبدن فقسمان: أحدهما ضرورىّ و هو المال و الجاه، و الاخر غير ضروريّ و هو القوم و الأقرباء، و هذا الّذى عدّدناه في المرتبة الثالثة إنّما يراد كلّه للبدن بدليل أنّه إذا تألّم عضو من أعضائه يجعل المال و الجاه فداء له، و أمّا الكمال البدنى من الصّحة و السلامة من الافات فانّما يريده العقلا للنّيل به إلي الكمال النفساني فانّه ما لم يكن صحيح البدن لا يتفرّغ لاكتساب الكمال النفساني المحصّل للسعادة الدّائمة.
إذا عرفت ذلك فنقول: العاقل ينبغي أن يكون دائما نظره إلى الأهمّ و الأفضل و يقدّمه على غيره، فالتّفاخر بكثرة العدد و كذا بالمال و الجاه تفاخر بأحسن مراتب الكمال و مانع من تحصيل السعادة النفسانيّة بالعلم و العمل، فيكون ذلك ترجيحا لأحسن المراتب في الكمال على أشرفها و أفضلها و هو مورد التّعجّب.
و قوله (و زورا ما أغفله) و الكلام في إفادته للمبالغة كالكلام في سابقه.
و المراد بالزّور الزائرون للمقابر المتفاخرون بهم و التّعجب من غفلتهم لجعلهم الأموات الّتي هى محلّ الاعتبار مناطا للافتخار و موضع العبرة عددا للكثرة غافلين عن الصّواب معرضين عمّا ينفعهم في الماب.
و فيه أيضا من الدّلالة على تماديهم في الغفلة ما لا يخفى، لاشتراطهم في فعل التعجّب أن لا يبني إلّا ممّا وقع و استمرّ حتّى يستحقّ أن يتعجّب منه، و يضاف إلى ذلك ما قدّمناه من اشتراطهم أيضا بنائه من فعل مضموم العين ليدلّ على أنّ المتعجّب منه صار كالغريزة.
و قوله (و خطرا ما أفظعه) و الكلام فيه كما فى سابقيه.