منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٢ - المعنى
حتّى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى التّفاخر و التكاثر بالأموات فعبّر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكّما بهم، و قيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون:
هذا قبر فلان و هذا قبر فلان يفتخرون بذلك.
الوجه الثاني كنايه [أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ] أنّ المراد به التكاثر بالمال، و المعنى ألهيكم التكاثر بالأموال و طلب تكثيرها و الحرص على جمعها إلى أن متّم و قبرتم مضيّعين أعماركم في طلب الدّنيا معرضين عمّا يهمّكم من السعى للاخرة فتكون زيارة القبور كناية عن الموت.
و على كلا الوجهين فالاية واردة في مقام التّوبيخ و التقريع على التكاثر، و حذف متعلّق ألهيكم ليذهب الوهم و الخيال فيه كلّ مذهب، فيعمّ جميع ما يحتمله المقام من الالهاء عن ذكر اللّه و عن الواجبات و المندوبات في المعرفة و الطاعة و التدبّر و التّفكر، و محصّله إلهاء التكاثر بالأمور الدّنيويّة عن الأمور الدّينية و الأخرويّة.
و ربّما ايّد الوجه الثاني بما روى عن النّبي ٦ أنّه تلا هذه السّورة فقال: يقول ابن آدم مالى مالى و مالك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت.
و يدلّ على الأوّل كلام أمير المؤمنين ٧ هنا لانكاره عليهم التكاثر بعديد الهلكى و التفاخر بمصارع الاباء و تعجّبه من التكاثر و التفاخر مزيد التعجّب بقوله (ياله مراما ما أبعده) و فيه من الدلالة على المبالغة في التعجّب ما لا يخفى، حيث أتا بنداء التعجّب أولا و بلام التعجّب ثانيا، و بالضمير المبهم المفسّر بما بعده لوقعه في النفوس ثالثا و بماء التعجّب رابعا و بأفعل التعجّب خامسا و المعنى يا عجبا من مرام هو من البعد بمكان، و بالغ في التعجّب به غايته.
و المراد بالمرام هو ما كان مقصدهم من التفاخر من إثبات الفخر و المنقبة لأنفسهم و لو بعدد الأموات، فبيّن ٧ أنّ ذلك المرام بعيد جدّا، لأنّ الفخر بالميّت كالفخر بالجماد في جنب الانسان فحصوله به غير ممكن و طلبه تحصيل لما يتحصّل، و ما شأنه ذلك فهو أحرى بأن يتعجّب منه.