منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٨٣ - الفصل الاول
لطافة قوامه كالهواء و الرّوح و نحوهما، بل باعتبار جلاله و عزّته و جبروته و عظمته حسبما عرفت في شرح الخطبتين المذكورتين و الحاصل أنّه ظاهر باياته باطن بذاته.
قال الشّارح البحراني: و إنما قال: فكر المتوهّمين، لأنّ النفس الانسانية حال التفاتها إلى استلاحة الامور العلوية المجرّدة لا بدّ أن يستعين بالقوّة المتخيلة بباعث الوهم في أن تصوّر تلك الامور بصور خيالية مناسبة لتشبيهها بها و تحطها إلى الخيال، و قد علمت أنّ الوهم إنما يدرك ما كان متعلّقا بمحسوس أو متخيل من المحسوسات، فكل أمر يتصوّره الانسان و هو في هذا العالم سواء كان ذات اللّه سبحانه أو غير ذلك فلا بدّ أن يكون مشوبا بصورة خيالية و معلقا بها، و هو تعالى منزّه بجلال عزّته عن تكيف تلك الفكر له و باطن عنها، انتهى.
و قد تقدّم ما يوضح ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الاولى و شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانين فليراجع هناك.
الخامس انه (العالم بلا اكتساب و لا ازدياد و لا علم مستفاد) يعنى أنه عزّ و جلّ عالم بذاته و العلم ذاته و ليس علمه باكتساب له بعد الجهل، و لا بازدياد منه بعد النقص، و لا باستفادة و أخذ له عن غيره كما هو شأن علم المخلوقين، إذ لو كان كذلك لكان سبحانه متغيّرا و ناقصا فى ذاته مستكملا بغيره و هو باطل.
السادس انه (المقدّر لجميع الامور بلا رويّة و لا ضمير) أى الموجد لمخلوقاته على وفق حكمته و قضائه كلّا منها بقدر معلوم و مقدار معيّن من دون أن يكون ايجادها مستندا إلى الرّوية و الفكر، و لا إلى ما يضمر فى القلب من الصور كما يحتاج إليها ساير الصناع، لأنه سبحانه منزّه من الضمير و القلب، و الرّوايات لا تليق إلّا بذوى الضمائر حسبما عرفت تفصيلا فى شرح الفصل الأوّل من الخطبة المأة و السابعة.
السابع أنه (الذى لا تغشاه الظلم و لا يستضيء بالأنوار) أى لا يغطيه ظلام كما يغطى ساير الأجسام لكونه منزّها عن الجسمية، و لا يستضيء بالأنوار كما يستضيء بها ذوات الابصار لكونه منزّها من حاسّة البصر و ساير الحواسّ، مضافا إلى أنه تعالى