منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٣ - المعنى
و قوله ٧ (إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك) يعني إن استوحشوا من غربتهم و غيبتهم عن أوطانهم الأصليّة و عن كونهم مسجونين في سجن الدّنيا استأنسوا بذكرك بلسانهم و جنانهم و بالتفكّر في ذاتك و صفاتك و جلالك و جمالك.
و هو اشارة إلى انسهم باللّه كما أنّ ما تقدّم من قوله عليه الصّلاة و السّلام:
إنّك آنس الانسين لأوليائك، إشارة إلى انس اللّه تعالى بهم حسبما عرفت تفصيلا و تحقيقا، و الانس به تبارك و تعالى من صفات الأولياء المقرّبين و الكملين في محبّته عزّ و جلّ كما قال الشّاعر:
|
الانس باللّه لا يحويه بطّال |
و ليس يدركه بالحول محتال |
|
|
و الانسون رجال كلّهم نجب |
و كلّهم صفوة للّه عمّال |
|
و قالت رابعة العدوّية:
|
أحبّك حبّين حبّ الهوى |
و حبّا لأنّك أهل لذاكا |
|
|
فأمّا الّذى هو حبّ الهوى |
فشغلى بذكرك عمّن سواكا |
|
|
و أمّا الّذى أنت أهل له |
فكشفك لى الحجب حتّى أراكا |
|
|
فلا الحمد في ذا و لا ذاك لي |
و لكن لك الحمد فى ذا و ذاكا |
|
و ينبغي أن يعلم أنّ الانس باللّه أيضا من آثار المحبّة له تعالى كالشوق إليه عزّ و جلّ حسبما عرفت قريبا لكنّ هذين الأثرين يختلفان على المحبّ بحسب اختلاف حالاته.
فانّه إذا غلب عليه التّطلّع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الكمال و استشعر قصوره عن الاطّلاع على كنه الجلال انبعث القلب و انزعج له و هاج إليه و تسمّى هذه الحالة في الانزعاج شوقا.
و إذا غلب عليه الفرح في القرب و كان نظره مقصورا على مطالعة ما أدركه من الجمال غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بملاحظة الجمال المدرك فيسمّى استبشاره انسا.