منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٠ - و اما الفصل الثالث
وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشره و وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة إلى غير هذه مما أخبر به الكتاب العزيز و نطق به الأخبار.
(فكشفوا) ببياناتهم الفصيحة و كلماتهم النصيحة (غطاء ذلك) أى ما رأوه بعين اليقين من محجوبات الغيوب و مستورات الغيب المحجوب (لأهل الدّنيا) تنفيرا لهم عنها و ترغيبا إلى دار الاخرى (حتّى كأنهم) من شدّة اليقين و قوّة أبصار البصاير و آذان العقول (يرون) من أحوال النشأة الأخروية (ما لا يرى) ساير (الناس و يسمعون ما لا يسمعون) و هذا المقام مقام قوله ٧: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.
قال الشارح البحرانيّ: لما كان السبب فى قصور النفوس عن ادراك أحوال الاخرة و هو تعلّقها بهذه الأبدان و اشتغالها بتدبيرها و الانغماس في الهيئات الدّنيوية المكتسبة عنها، و كان هؤلاء الموصوفون قد غسلوا درن تلك الهيات من ألواح نفوسهم بمداومة ذكر اللّه و ملازمة الرّياضة التامّة، حتّى صارت نفوسهم كمرايا مجلوّة حوذى بها سطر الحقائق الالهية فجلت و انتقشت بها، لا جرم شاهدوا بعين اليقين سبيل النجاة و سبيل الهلاك و ما بينهما فسلكوا على بصيرة و هدوا الناس على يقين و اخبروا عن امور شاهدوها بأعين بصائرهم و سمعوا باذان عقولهم، فكأنهم في وضوح ذلك لهم و ظهوره و اخبارهم عنه قد شاهدوا ما شاهده الناس بحواسّهم ما لم يشاهده الناس و سمعوا ما لم يسمعوه.
(فلو مثلتهم بعقلك) أى تصوّرت مثالهم و صورهم (في مقاومهم المحمودة) أى مقامات عبوديتهم و تذلّلهم التي يحمدهم اللّه ربّ العالمين بالقيام فى تلك المقامات (و مجالسهم المشهودة) أى مجالس عبادتهم و تضرّعهم الّتي تشهدها الملائكة المقرّبون كما قال عزّ من قائل وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً قال المفسرون معناه إنّ صلاة الفجر تشهدها ملائكة اللّيل و ملائكة النهار استعارة تمثيليّة و قوله ٧: (و قد نشروا دواوين أعمالهم و فرغوا لمحاسبة أنفسهم) من الاستعارة التمثيليّة حيث شبّههم ٧ في تتبّعهم لنفوسهم و ملاحظتهم لألواح ضمايرهم