منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦١ - و اما الفصل الثالث
و تفكّرهم في ما ثبت في تلك الألواح من صور أعمالهم الّتي عملوها من خير أو شرّ و تدبيرهم في جبران الخاسرة منها و مطالبتهم أنفسهم بتدارك ما فاتت و فرّطت فيها بالتاجر الذى يفتح دفتر تجارته، و ينشر ديوان حسابه و ينظر ما كتب فيه من صورة مكاسبه و يلاحظ ربحه و خسرانه، و يدبّر تدارك خسارته.
و قد قال ٧ في الخطبة التّاسعة و الثمانين: عباد اللّه زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا، و قد مرّ في شرحه ما ينفع في هذا المقام و حقيقة محاسبة النّفس على ما نبّه عليه الغزالي أن يكون للعبد ساعة في آخر النّهار يطالب النفس و يحاسبها على جميع حركاتها و سكناتها كما يفعل التجار في الدّنيا مع الشركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدّنيا و خوفا من فوات منافعها.
فانّ التّاجر إذا جلس مجلس المحاسبة مع شريكه ينظر أوّلا في رأس المال، ثمّ في الرّبح و الخسران ليتبيّن له الزّيادة و النّقصان، فان كان من فضل حاصل استوفاه و شكره، و إن كان من خسران ضمّنه و كلّفه جبرانه في المستقبل و كذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض و ربحه النّوافل و الفضايل و خسرانه المعاصي و موسم تلك التجارة تمام النّهار، و النّفس بمنزلة الشريك فليحاسبها أوّلا على الفرائض فإنّ أدّاها على وجهها شكر اللّه تعالى على ذلك، و إن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء و إن أدّاها ناقصة كلّفها الجبران بالنّوافل، و إن ارتكب معصية اشتغل بمؤاخذتها و معاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرّط كما يصنع التّاجر بشريكه.
و كما أنّه يفتّش في حساب الدّنيا عن الحبّة و القيراط و يبالغ في المداقّة و يلاحظ مداخل الزّيادة و النقصان، فينبغي له أن يبالغ في المداقّة فى حساب نفسه عن خواطره و أفكاره و قيامه و قعوده و أكله و شربه و تكلّمه بل عن جميع حركاته و سكناته، و ينبغي أيضا أن يحاسب النّفس على جميع عمره يوما فيوما و ساعة فساعة في جميع الأعضاء الظاهرة و الباطنة.