منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٤٧ - المعنى
في حقّ الالهية، فهو حاضر و حاصل و واجب الحصول أزلا و أبدا، و لا يتصوّر تجدّده و لا زواله، فلا يكون له نظر إلى غيره من حيث إنه غيره، بل نظره إلى ذاته و أفعاله فقط، و ليس في الوجود إلّا ذاته و أفعاله، فلا يجاوز حبّه ذاته و توابع ذاته من حيث هى متعلّقة بذاته، فهو اذا لا يحبّ إلّا نفسه.
و ما ورد من الألفاظ في حبّه لعباده فهو مؤوّل و يرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتّى يراه بقلبه و إلى تمكينه إياه من القرب منه و الى إرادته ذلك به في الأزل، فحبّه لمن أحبّه أزليّ مهما أضيف إلى الارادة الأزلية اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب، و إذا أضيف إلى فعله الذى يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضى له كما قال تعالى: لا يزال عبدى يتقرّب إلىّ بالنوافل حتّى أحبّه.
فيكون تقرّبه بالنوافل سببا لصفاء باطنه و ارتفاع الحجاب من قلبه و حصوله في درجة القرب من ربّه، فكلّ ذلك فعل اللّه تعالى و لطفه به فهو معنى قربه و هو قرب بالصفة لا بالمكان و من لم يكن قريبا ثمّ صار قريبا فقد تغير، فربما يظنّ بهذا أنّ القرب لما تجدّد فقد تغير وصف العبد و الربّ جميعا إذ صار قريبا بعد أن لم يكن و هو محال في حقّ اللّه تعالى، إذ التغير عليه محال، بل لا يزال في نعوت الجلال على ما كان عليه في أزل الازال و لا ينكشف هذا إلّا بمثال في القرب بين الأشخاص.
فانّ الشخصين قد يتقاربان بتحرّكهما جميعا، و قد يكون أحدهما ثابتا فيتحرّك الاخر فيحصل القرب بتغيّر في أحدهما من غير تغيّر في الاخر، بل القرب في الصفات أيضا كذلك، فانّ التلميذ يطلب من درجة استاده في كمال العلم و جماله، و الاستاد واقف في كمال علمه غير متحرّك بالنزول إلى درجة تلميذه، و التلميذ متحرّك مترق من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم، فلا يزال دائما في التغيّر و الترقي إلى أن يقرب من الاستاد، و الاستاد ثابت غير متغيّر.