منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٧ - المعنى
إلى الحقّ و عن الالتفات إلى الاخرة، و معقّبا للنّدم و الحسرة الطّويلة و العذاب الشّديد يوم القيامة.
قد وقع ذمّه في كتاب اللّه تعالى و على ألسنة الأنبياء و الرّسل متجاوزا عن حدّ الاحصاء قال تعالى اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ و قال أيضا مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ و قد وقع تشبيه المتنعّم باللّذات الدّنيويّة و المتلذّذ بشهواتها الملهية له عن التّوجّه إلى عاقبة أمره و الالتفات إلى مال حاله في كلام الحكماء برجل حمل عليه فيل مغتلم، فانطلق مولّيا هاربا، فاتّبعه الفيل فغشيه حتّى اضطرّه إلى بئر فتدلّى فيها و تعلّق بغصنين نابتين على شفير البئر، فاذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض و الاخر أسود، فلمّا نظر إلى تحت قدميه فاذا رءوس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن، فلمّا نظر إلى قعر البئر إذا تنين فاغر فاه نحوه يريد التقامه، فلما رفع رأسه إلى أعلى الغصنين إذا عليهما شيء من عسل النّحل فألهاه ما طعم منه و ما نال من لذّة العسل و حلاوته عن الفكر في أمر الأفاعي اللواتى لا يدرى متى يبادرونه، و ألهاه عن التّنين الّذي لا يدرى كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته أما الفيل فهو الأجل، و أمّا البئر فالدّنيا المملوّة من الافات و البلايا و الشرور و أمّا الغصنان فالعمر، و أمّا الجرذان فالليل و النّهار يسرعان في قطع العمر، و أمّا الأفاعي الأربعة فالأخلاط الأربعة الّتي هي السّموم القاتلة من المرّة و البلغم و الرّيح و الدّم الّتي لا يدرى صاحبها متى تهيج به، و أمّا التّنين الفاغر فاه ليلتقمه فالموت الرّاصد الطالب، و أمّا العسل الّذى اغترّ بأكله فما ينال النّاس من عيش الدّنيا و لذّتها و شهوتها و نعيمها و دعتها من لذّة الطّعام و الشّراب و اللباس و الشم و اللّمس و البصر، هذا هو العيش المذموم.