دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٨٤ - الفصل الخامس ذكره في الكتب المتقدمة و الصحف السالفة المدونة عن الأنبياء و العلماء من الأمم الماضية
ما منعك أن تسجد لي؟ قال دانيال: إن لي ربا آتاني هذا العلم الذي سمعت به، على أن لا أسجد لغيره، فخشيت أن أسجد لك فينسلخ عني هذا العلم، ثم أصير في يدك أميّا فلا تنتفع بي، فتقتلني، فرأيت ترك السجدة أهون من قتلي، و خطر سجدة أهون من الكرب و البلاء الذي أنت فيه، فتركت السجود نظرا إلى ذلك.
فقال بخت نصّر: لم يكن أوثق في نفسي منك حين و فيت لإلهك، و أحبّ الرجال عندي الذين يوفون لأربابهم بالعهود، فهل عندك علم بهذه الرؤيا التي رأيت؟ قال: نعم، عندي علمها و تفسيرها، رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض و رأسه في السماء، أعلاه من ذهب، و أوسطه من فضّة، و أسفله من نحاس، و ساقاه من حديد، و رجلاه من فخّار، فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه و إحكام صنعته، قذفه اللّه عز و جل بحجر من السماء، فوقع على قمة رأسه فدقّه حتى طحنه، فاختلط ذهبه و فضته و نحاسه و حديده و فخاره، حتى تخيل إليك لو اجتمع جميع الأنس و الجن على أن يميّزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك، و لو هبت ريح لأذرته، و نظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو و يعظم و ينتشر، حتى ملأ الأرض كلّها، فصرت لا ترى إلّا السّماء و الحجر، فقال له بخت نصر: صدقت، هذه الرؤيا التي رأيت، فما تأويلها؟
قال دانيال: فأما الصنم: فأمم مختلفة في أول الزمان، و في أوسطه، و في آخره، و أمّا الذهب: فهذا الزمان، و هذه الأمة التي أنت فيها، و أنت ملك لها، و أما الفضة: فابنك يملك بعدك، و أمّا النحاس: فإنّه الروم، و أمّا الحديد ففارس، و أمّا الفخار: فأمّتان يملكهما امرأتان إحداهما في مشرق اليمن، و الأخرى في غربي الشام، و أمّا الحجر الذي قذف به