دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ١٤٦ - الفصل العاشر ذكر ما جرى على أصحاب الفيل عام مولده (صلى اللّه عليه و سلم) و قصة الفيل من أشهر القصص، قد نطق بها القرآن
و نخرج إلى تجارتنا، و نتحمل من عدونا، عدا عليها جيشك فأخذوها، و ليس مثلك يظلم من جاوره، فالتفت الحبشي إلى ذي نفر [١] ثمّ ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجبا فقال: لو سألني كلّ شيء أحرزه أعطيته إياه، أما إبلك فقد رددتها عليك، و مثلها، فما منعك أن تكلّمني في بيتكم هذا، و بلدكم هذا، فقال عبد المطلب، أمّا بيتنا هذا و بلدنا هذا فإنّ لهما ربّا، إن شاء أن يمنعهما منعهما، و لكني أكلمك في مالي، فأمر عند ذلك بالرحيل، و تألّى [٢] ليهدمنّ مكة، فانصرف عبد المطلب، و سمع تألّيه في مكة، و قد هرب أهلها، فليس بها أحد إلّا عبد المطلب و أهل بيته، فأخبرهم بذلك، فاندفع يرتجز و هو يطوف حول الكعبة:
لا همّ إنّ المرء يمن* * * ع رحله [٣]فامنع حلالك [٤]
لا يغلبنّ صليبهم* * * و محالهم عدوا محالك [٥]
فلئن فعلت فبها و إلّا* * * فالأمر ما بدا لك
و لئن فعلت فإنّه* * * أمر تتمّ به فعالك
غدوا لجموعهم* * * و الفيل كي يدوسوا عيالك
و لئن تركتهم و كع* * * بتنا فواحزنا هنالك [٦]
فلمّا توجه شمر [٧] و أصحابه بالفيل و قد أجمعوا ما أجمعوا، طفق كلما وجهوه إلى مكة أناخ و برك، فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع
[١] في الأصل «ذي عمرو».
[٢] تألّى: آلى على نفسه.
[٣] في الأصل «حلّه» فصححناه من إتحاف الورى و شرح المواهب.
[٤] الحلال: جمع حلة و هم القوم المجتمعون.
[٥] المحال: الشدّة و القوة.
[٦] وردت الأبيات في سبيل الهدى و الرشاد، و إتحاف الورى، و سيرة ابن هشام و غيرها بزيادة و نقص و اختلاف.
[٧] تقدم أنّه «الأسود بن مفصود».