دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢١١ - ذكر خبر آخر فيما اللّه تعالى حج به أمر نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) لما كلم أبا جهل أن يؤدي غريمه حقه لما تقاعد به
هشام فمطله بأثمانها، فأقبل حتى وقف على ناد من قريش، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤديني [١] على أبي الحكم بن هشام، فإني رجل غريب ابن سبيل قد غلبني على حقي، قال، فقال أهل المجلس: ترى ذلك الرجل؟- لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هم يهزؤون به، لما يعلمون بينه و بين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فهو يؤدّيك عليه، فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا عبد اللّه، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، و أنا غريب ابن سبيل، و قد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه رحمك اللّه، قال: انطلق إليه، و قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن كان معهم: اتبعه انظر ماذا يصنع؟ قال، و خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ فقال: محمد، فاخرج إليّ، قال، فخرج إليه و ما في وجهه رائحة [٢]، قد انتقع لونه [٣]، فقال له: اعط هذا الرجل حقه، قال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، قال، فدخل فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه، ثم انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال للإراشي إلحق بشأنك، قال، فأقبل الإراشيّ حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه اللّه خيرا فقد- و اللّه- أخذ لي الذي لي، و قال: و جاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا: و يحك ماذا رأيت؟ قال رأيت عجبا من العجب، و اللّه إن هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه و ما معه روحه، فقال: اعط هذا حقّه،
[١] في الأصل «يودي به» و ما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام. و يؤديني: يعينني على أخذ حقي.
[٢] أي ما في وجهه قطرة من دم.
[٣] انتقع لونه: تغير لونه.