دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٧٣ - فأما قصة دخول بني هاشم شعب أبي طالب لما تحالفت قريش على أن لا يبايعوا بني هاشم و لا يناكحوهم و لا يخالطوهم و ما في ذلك من دلالته على نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)
من فعله إيمانا و يقينا، فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا و منعوا الرسول، و اجتمعوا على ذلك كافرهم و مسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، و لا يخالطوهم و لا يبايعوهم، و لا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للقتل، و كتبوا بمكرهم صحيفة و عهودا و مواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا، و لا تأخذهم بهم رأفة و لا رحمة و لا هوادة، حتى يسلموا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، و اشتدّ عليهم فيهنّ البلاء و الجهد، و قطعوا عليهم الأسواق، فلا يتركون طعاما يدنو من مكة، و لا بيعا إلا بادروا [١] إليه ليقتلهم الجوع، يريدون أن يتناولوا بذلك سفك دم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و كان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأتى فراشه حتى يراه من أراد به مكرا أو غائلة، فإذا نوّم الناس أخذ أحد بنيه أو إخواته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها.
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم [٢] رجال من بني عبد مناف و رجال من بني قصيّ و رجال ممن سواهم، و ذكروا الذي وقعوا فيه من القطيعة فأجمعوا أمرهم في ليلتهم على نقض ما تعاقدوا عليه، و البراءة منه، فبعث اللّه عز و جل على صحيفتهم التي فيها المكر برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الأرضة [٣]، فلحست كل شيء كان فيها، و كانت معلقة في سقف الكعبة، و كان فيها
[١] في الخصائص «إلا بادروهم إليه فاشتروه».
[٢] تلاوم: لام بعضهم بعضهم.
[٣] الأرضة: دويبة تأكل الخشب.