دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٥٤ - ذكر إسلام أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه
فاحتملنا عليها، و تغطى خالنا بثوبه يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة- و قد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بثلاث سنين، فقلت:
لمن؟ فقال: للّه، قلت: أين توجّه؟ قال: أتوجه حيث وجهني اللّه، أصلي عشاء حتى إذا كان من السحر ألقيت كأني خفاء- يعني خباء- حتى تعلوني الشمس فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني حتى آتيك، فانطلق أنيس فراث عليّ- يعني أبطأ- ثم جاء فقلت له: ما حبسك؟ قال لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن اللّه أرسله، قال، قلت له: فما يقول الناس له؟ قال يقولون شاعر، كاهن، ساحر، و كان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: و اللّه لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، و لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء [١] فما يلتئم على لسان أحد يقري [٢] أنه شعر، و اللّه إنه لصادق، و إنهم لكاذبون، فقلت: اكفني حتى أذهب فأنظر، قال: نعم، و كن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له [٣] و قد تجهّموا له.
قال: فانطلقت، و قدمت مكة فاستضعفت [٤] رجلا منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابىء؟ فأشار إليّ و قال: الصابىء؟ قال: فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة و عظم فخررت مغشيا علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم، فشربت من مائها، و غسلت عني الدماء، فلبثت بها- يا ابن أخي- ثلاثين من بين يوم و ليلة، ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن [٥] بطني، و ما وجدت على بطني سخفة
[١] أقراء الشعراء: طرقهم.
[٢] في مسلم «بعدي».
[٣] شنفوا له: تآمروا عليه و حقدوا و أبغضوا.
[٤] في مسلم «فتضعفت».
[٥] العكنة: ما انطوى و تثنى من لحم البطن سمنا.