دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٥ - مقدّمة
إلّا المتقدم على المبعوث إليهم، المزيّن بكلّ المناقب، و لهذا لم يوجد نبيّ قط به عاهة في بدنه أو اختلاط في عقله، أو دناءة في نسبه، أو رداءة في خلقه، و إليه رجع قوله عزّ و جل اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [١].
و معنى الفضيلة الإكرامية: أنّ الملوك متى أرسلوا رسولا اختاروه للوفادة، أيّدوه في حال الإرسال بلطائف و كرامات و زوائد و معاونات ييسر الخطب عليه فوق ما كان مكّنه منه، و خوّله في ماضي خدمته، فاللّه الرؤوف الرحيم إذا أمره للإبلاغ عنه أمدّه بزوائد تقوّي قلبه، و تشحذ قريحته، و تمكّنه من الأخلاق الحميدة و العزائم القوية، و الحكم المديد، كما أيّد موسى ٧ بحل العقدة من لسانه، و إشراكه هارون إياه في الإرسال، و هو قوله عزّ و جل فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [٢] فإليه يرجع قوله عزّ و جل قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى [٣].
و معنى الإمداد بالهداية: فإنّ الملوك إذا اختاروا للإبلاغ عنهم من علموا منه الكفاءة و الاستغلال بما ولّوه فلا يخلونه من كتب منهم إليه تتضمن الرشد و الهداية، علما منهم بأنّه مجبول على صنيعة الآدميين. فاللّه العلي العظيم متى قلّد عبدا قلائد الرسالة فحكمته تقضي أن لا يخليه من مواد الإرشاد، لعلمه أنّ العلوم المكتسبة لا تنال إلّا تعريفا، و لا تصاب المصالح الكلية إلّا توفيقا، و إليه يرجع قوله عزّ و جل كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [٤] وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ [٥].
و معنى التثقيف عند الزلة: فما بعث ملك واحدا يحبّب به الرعية إلى طاعة فيرى طبعه مائلا في حال الإبلاغ إلّا زجره عند أدنى هفوة بأبلغ
[١] الأنعام ١٢٤.
[٢] القصص ٣٤.
[٣] طه ٣٦.
[٤] الفرقان ٣٢.
[٥] الإسراء ٧٤. و تمام الآية: تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.