دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٣٦ - مقدّمة
مزجرة، يثقّفه بها صيانة لمحلّه و حفظا لحراسته و استقامته، علما منه بأنّ من ينته عن فلتاته أوشك أن يألفه و يعتاده، فاللّه لطيف بعباده، الوافي لأوليائه بالنصر و التأييد، لا يعدم وافده و صفيّه المرشّح لحمل أثقال النبوة التنبيه و التثقيف، و إليه يرجع قوله تعالى لنوح ٧ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [١] و قوله عزّ و جل لداود ٧ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ [٢] و قوله عزّ و جلّ لسليمان ٧ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ [٣] و قوله عزّ و جل لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [٤] لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [٥] و قوله تعالى وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ [٦].
فهذه الخصائص الأربعة لا تنال بالاكتساب و الاجتهاد، لأنّها موهبة إلهية، و أثرة علوية، حكمها معلّقة بتدبير من له الخلق و الأمر، و لا يظهرها إلّا في أخص الأزمنة، و أحق الأمكنة، عند إحساس الحاجة الكلية، و إطباق الدهماء على الضلال من البرية، و كلها أعلى من أن تفوز به العقول الجزئية، أو تحصلها المساعي المكتسبة، و إليه يرجع قوله عز و جل وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ [٧] و قوله إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [٨] و قوله فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [٩].
[١] هود ٤٦.
[٢] ص ٢٢.
[٣] ص ٣٤.
[٤] هود ١١٢.
[٥] الأنفال ٦٨ و تمامها لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
[٦] الأنعام ٣٥ و تمامها فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ.
[٧] آل عمران ١٧٩.
[٨] إبراهيم ١١.
[٩] الجن ٢٦- ٢٧.