دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٥٩ - ذكر إسلام سلمان الفارسي رضي اللّه عنه
أحب الخلق إليه، فمن حبّه إياي حبسني في بيت كما تحبس الجارية، و كنت قد اجتهدت في دار المجوسية حتى كنت قطن النار [١] أوقدها، لا أتركها تخبو [٢] ساعة، اجتهادا في ديني، و كان لأبي ضيعة في بعض عمله، و كان يعالج بنيانا له في داره، فدعاني فقال: أي بني؟ إنه قد شغلني بنياني كما ترى، فانطلق إلى ضيعتي هذه و لا تحتبس عني، فإنك إن احتبست علي كنت أهم إليّ من ضيعتي و من كلّ شيء، و شغلتني عن كل شيء من أمري، قال: فخرجت أريد الضيعة التي بعثني إليها، قال، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم و هم يصلّون، و كنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، و رغبت في أمرهم، و قلت: هذا و اللّه خير من الدين الذي نحن عليه، فواللّه ما برحتهم حتى غربت الشمس، و تركت ضيعة أبي فلم آتها، ثم قلت لهم:
أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال، ثم رجعت إلى أبي، و قد بعث في طلبي، فشغلته عن عمله كما قال، فلما جئته قال يا بنيّ أين كنت؟ ألم أكن أعهد إليك ما عهدت؟ قال، قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فواللّه ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني، ليس في ذلك خير، بل دينك و دين آبائك خير، قلت: كلا و اللّه، إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيت، قال، و بعثت إلى النصارى فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني، قال، فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال، فأخبروني، قال، قلت: إذا قضوا حوائجهم و أرادوا
[١] قطن النار: خادمها.
[٢] خبت النار: إذا طفئت.