إفاضة القدير في أحكام العصير - شيخ الشريعة الأصفهاني - الصفحة ٨ - فائدة أدبية
الشيء معصور و الماء معصور من ذلك الشيء و قد يؤدى هذا المعنى بالفعل المجهول فيقال: عصر هذا من ذاك، و لا أظن بالمستشكل المدعى للتجوز ان يدعيه في هذا الإطلاق أيضا، و قد يؤدي بصيغة المفعول، فيقال: انه معصور منه، فالعنب و مائه كلاهما يصدق عليهما انه معصور منه لكن كلمة (منه) في الأول نائب الفاعل و في الثاني الضمير المستتر في معصور الراجع الى الماء هو نائب الفاعل، و هل يشك أحد في انه يصدق على ماء العنب حقيقة أنه عصر من العنب أو معصور منه، بل الماء المجتمع المعصور من الثوب و اللبد و اللحاف و أشباهها أيضا مما لا شبهة في انه يقال انه عصر منها و معصور منها من غير ابتناء على استعارة أو علاقة أو عناية أو لمراعاة نكتة كما في المجازات، و ذلك لأحد وجهين:
(أحدهما) ان العصر إذا وقع على الشيء المتضمن للماء فقد وقع على جميع أجزائه التي منها الماء سيما إذا كان جزئه الغالب كما في العنب و الرمان إذا لم يقع العصر على خصوص القشر و الحب، فيصح إطلاق العصير على الماء الذي يحلب منهما حقيقة (و لذا) صرح غير واحد من أئمة اللغة بأنه من الفعيل بمعنى المفعول.
(و الثاني) ما يبتني على مراعاة دقيقة لغوية ظهرت من المقدمة السابقة: و هي ان إطلاق الفعيل بمعنى المفعول على شيء على وجه الحقيقة لا يختص بما إذا كان مفعولا من غير تقييد، بل كما يصح معه كذلك يصح إذا كان مفعولا مع التقييد بحرف، و قد تأملت كثيرا في إيراد نظائر له حتى تنبهت بجملة من الموارد و منها بقية ألفاظ الفعيل المستعملة في مسئلتنا هذه استعمالا شائعا اعنى: النبيذ، و النقيع، و المريس حيث ان الأول يستعمل في الماء الذي ينبذ فيه التمر، و الماء ليس نابذا و لا منبوذا، و النقيع فيما ينقع فيه الزبيب، و الماء ليس ناقعا و لا منقوعا، و المريس في الماء الذي مرس الى ذلك فيه التمر أو الزبيب، و الماء ليس مارسا و لا ممروسا، لكنه منبوذ فيه فيه و منقوع فيه و ممروس فيه، فهو المفعول المقيد بكلمة (في) و ان لم يكن مفعولا مطلقا، و لعله لخفاء هذا المعنى في الجملة احتاج الى التنبيه عليه من مثل الفيومي،