مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٤ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
كيف أخرج تلك العظام الصلبة من تلك اللثات اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثم انظر كيف رزقه القدرة و التميز و العقل و الهداية تدريجا حتى بلغ و تكامل و صار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا تصديقا لقوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً[١] فانظر إلى اللطف و الكرم ثم إلى القدرة و الحكمة تبهرك عجائب الفعل الرباني فالعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا على حائط فيستحسنه و يصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش و الخطاط أنه كيف نقشه و خطه و كيف اقتدر عليه و لا يزال يستعظمه و يقول ما أحذقه و ما أكمل صنعته و أحسن قدرته ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه و في غيره ثم يغفل عن صانعه و مصوره و لا يدهشه عظمته و لا يحيره جلاله و حكمته فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك و أجلى شاهد على عظمة خالقك و أنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك و فرجك لا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل و تشبع فتنام و تشتهي فتجامع و تغضب فتقابل و البهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك و إنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السماوات و الأرض و عجائب الآفاق و الأنفس إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين و يحشر في زمرة النبيين و الصديقين مقربا من جوار رب العالمين و ليست هذه المنزلة للبهائم و لا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه يكون شرا من البهيمة بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك فأما هو فقد خلق الله له القدرة و التمكين لينظر فيشكر فعطلها و كفر نعمة الله فيها فأولئك كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. و إذ قد عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها و بحارها و جبالها و معادنها ثم ارتفع إلى ملكوت السماوات أما الأرض فمن
[١] سورة الدهر آية ١ و ٢