مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٢ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
طريقه فينتبه عن النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم ثم رفع الأنف من وسط الوجه و أحسن شكله و فتح منخريه و أودع فيهما حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه و أغذيته و ليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاء لقلبه و ترويحا لحرارة باطنه و فتح الفم و أودعه اللسان ناطقا و ترجمانا و معربا عما في القلب و زين الفم بالأسنان لتكون آلة للطحن و الكسر و القطع فأحكم أصولها و حدد رءوسها و بيض ألوانها و رتب صفوفها متساوية الرءوس و متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم و خلق الشفتين و حسن لونها و شكلها لتنطبق على الفم لتسد منفذه و ليتم بها حروف الكلام ثم خلق الحنجرة و هيأها لخروج الصوت و خلق اللسان للحركات و التقطيعات ليقطع الصوت في مخارج مختلفة الأشكال في الضيق و السعة و الخشونة و الملاسة و صلابة الجوهر و رخاوته و الطول و القصر حتى اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرقان حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة ثم زين الرأس بالشعر و الأصداغ و زين الوجه باللحية و الحاجبين و زين الحاجب برقة الشعر و زين العينين بالأهداب ثم خلق الأعضاء الباطنة و سخر كل واحد لفعل مخصوص فسخر المعدة لتنضج الغذاء و الكبد لإحالة الغذاء إلى الدم و الطحال و المرارة و الكلية لخدمة الكبد فالطحال يخدمه بجذب السوداء عنه و المرارة بجذب الصفراء عنه و الكلية تخدمه بجذب المائية و المثانة تخدم الكلية بقبول الماء عنها ثم تخرجه في طريق الإحليل و العروق تخدم الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن ثم خلق اليدين و طولهما لتمتد إلى المفاصل و عرض الكف و قسم الأصابع الخمس و قسم كل إصبع بثلاث أنامل و وضع الأربع في جانب و الإبهام في جانب ليدور الإبهام على الجميع و لو اجتمع الأولون و الآخرون على أن يستنبطوا بدقيق الفكر وجها آخر في وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربع في الطول و ترتيبها في صف واحد لم يقدروا إذ بهذا الترتيب صلحت اليد للقبض و البسط و الأخذ و الإعطاء فإن بسطها كانت له طبقا يضع عليها ما يريد و إن جمعها كانت آلة للضرب و إن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له و إن بسطها و ضم أصابعها كانت مجرفة[١] له ثم خلق الأظفار على رءوسها زينة للأنامل و عمادا لها من
[١] المجرفة كالمكنسة وزنا و معنى. جرف الطين من باب نصر كسحه و قشره بالمجرفة.