مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٥٥ - باب التفكر
و إذا أراد أن ينظر إلى الرجاء فلينظر إلى الجنة و نعيمها و ما أعد الله تعالى فيها من الملك الدائم و النعيم و الحور و اللذات فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم فعليك بقراءة القرآن و التفكر فيه فإنه جامع لجميع المقامات و الأحوال و فيه شفاء للعالمين و فيه ما يورث الخوف و الرجاء و الصبر و الشكر و سائر الصِّفات و فيه ما يزجر عن جميع الصفات المذمومة فينبغي أن يقرأه العبد و يردِّد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى و لو مائة مرة فقراءة آية بتفكر و فهم خير من ختمه بغير تفكر و فهم و ليتوقف في التأمل فيها و لو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة منها أسرار لا تنحصر و لا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب و كذلك مطالعة كلام رسول الله ص فإنه قد أوتي جوامع الكلم و كل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة و إذا تأملها العاقل حق التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره و شرح الآيات و الأخبار يطول فانظر إلى
قَوْلِهِ ص إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ
فهذه الكلمات جامعة حكم الأولين و الآخرين و هي كافية للمتأملين فيها طول العمر إذ لو وقفوا على معانيها و غلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم و لحال ذلك بينهم و بين التلفت إلى الدنيا بالكلية فهذا طريق الفكر فيه فهذه علوم ينبغي للإنسان أن يكون مستغرق الوقت فيها دائم الفكر حتى يعم قلبه بالأخلاق المحمودة و المقامات الشريفة لينزه باطنه و ظاهره عن المكاره و الرذائل لئلا يغفل عن صفات نفسه المبعدة من الله تعالى و أحواله المقربة إليه سبحانه و تعالى بل ينبغي أن يكون لكل إنسان جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات و الصفات المنجيات و جملة المعاصي و الطاعات و يعرض نفسه عليها في كل يوم و المهلكات فهي البخل و الكبر و العجب و الرياء و الحسد و شدة الغضب و شره الطعام و حب المال و الجاه و المنجيات فهي الندم على الذنوب و الصبر على بلاء الله و الشكر على نعمائه و الزهد في الدنيا و الإخلاص في الأعمال و حسن الخلق مع الخلق و الخوف من الله تعالى و الخشوع فمهما كفي من المذمومات واحدة فيخط عليها في جريدته و يدع الفكر فيها ثم على الباقي فلا يزال يدفع عن نفسه مذموما عنها إلى