مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٤٢ - باب محاسبة النفس
و لم يخلقه فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره و لا يكون المكاره قط خفيفة على النفوس هذا محال وجوده أ ما تتأملين منذ كم تعدين نفسك و تقولين غدا و غدا فقد جاء الغد و صار يوما فكيف وجدته أ ما علمت أن غدا الذي جاء و صار يوما له حكم الأمس لا بل ما تعجزين عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعبد العبد[١] بقلعها فإذا عجز عن قلعها للضعف و أخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة و هو شاب قوي فأخرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة و رسوخا و يزيد القالع ضعفا و وهنا فما لا يقدر عليه في الشباب فلا يقدر عليه في المشيب بل من العناء رياضة الهرم و من التعذيب تهذيب الذنب و القضيب الرطب يقبل الانحناء فإذا جف و طال عليه الزمان لم يقبل ذلك فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية و تركنين إلى التسويف فما لك تدعين الحكمة و أية حماقة تزيد على هذه الحماقة و لعلك تقولين ما يمنعني من الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات و قلة صبري على الآلام و المشقات فما أشد غباوتك و أقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية عن الكدورات الدائمة أبد الآباد و لا مطمع في ذلك إلا في الجنة فإن كنت ناظرة لشهوتك فانظري لها[٢] في مخالفتها فرب أكلة تمنع أكلات كثيرة و ما قولك في عقل مريض أشار عليه طبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام ليصح و يتهنأ بشربه طول عمره و أخبره أنه إن شرب ذلك مرض مرضا مزمنا و امتنع عن شربه طول عمره فما يقتضي العقل في قضاء حق الشهوة أ يصبر الثلاثة الأيام ليتنعم طول العمر أم يقضي شهوته في الحال و ليت شعري ألم الصبر على الشهوات أعظم شدة و أطول مدة أم ألم النار فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب الله ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفي أو لحمق جلي أما الكفر الخفي فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب و قلة معرفتك بعظم قدر الثواب و العقاب و أما الحمق الجلي فاعتمادك على
[١] في بعض النسخ« تعب العبد» و في بعضها« يعتد العبد» و لعلّ الأخير انسب.
[٢] في بعض النسخ« فالنظر لها»