مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٢ - باب محاسبة النفس
و قال تعالى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[١]. و قال تعالى ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ[٢]. و قال تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[٣]. و قال تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ[٤]. فعرف أهل البصائر أن الله لهم بالمرصاد و أنهم سيناقشون في الحساب و يطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات و اللحظات فينبغي أن يتحقق أنه لا ينجى من هذه الأخطار إلا لزوم محاسبة النفس و مراقبة الحق و مطالبة النفس في الأنفاس و الحركات بلزوم الطاعات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف يوم القيامة حسابه و حضر عند السؤال جوابه و حسن منقلبه و مآبه و من لم يحاسب نفسه و هون عليه أمر الآخرة و اتبع نفسه شهواتها و لذات الدنيا[٥] دامت حسرته و طال في عرصات القيامة موقفه و قادته الشهوات و اللذات إلى الخزي و المقت فلا ينجى من هذه الأهوال العظيمة إلا لزوم الطاعة و الصبر عليها و مرابطة النفس على ما يرضى الرب لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٦]. فلزوم الطاعة لا يصح إلا مع لزوم المحاسبة للنفس فحتم على كل ذي حزم آمن بالله و اليوم الآخر أن لا يغفل نفسه في حركاتها و سكناتها فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها و يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز الذي لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلبه الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل
[١] سورة الزلزال ٩٩ آية ٦ تا ٨.
[٢] سورة البقرة آية ٢٨١ و آل عمران ١٦١، و لا يخفى أن في الآيتين لفظة« ثُمَّ تُوَفَّى»^.
[٣] آل عمران ٣ آية ٣٠.
[٤] سورة البقرة آية ٢٣٥-
[٥] في بعض النسخ[ و اتبع نفسه شهواتها بلذات الدنيا].
[٦] سورة آل عمران آية ٢٠٠-