مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٦٦ - علاج الحرص و الطمع و الدواء الذي يكتسب به صفة القناعة
قَالَ بَعْضُهُمْ دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ فَوَجَدْتُهُ يَنْظُرُ فِي وَرَقَةٍ مَكْتُوبٍ فِيهَا بِالذَّهَبِ فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ فَقُلْتُ فَائِدَةٌ قَالَ نَعَمْ وَجَدْتُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي بَعْضِ خَزَائِنِ بَنِي أُمَيَّةَ فَاسْتَحْسَنْتُهُمَا وَ قَدْ أَضَفْتُ إِلَيْهِمَا ثَالِثاً وَ أَنْشَدَنِي
|
إِذَا سُدَّ بَابٌ عَنْكَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ |
فَدَعْهُ لِأُخْرَى يَنْفَتِحْ لَكَ بَابُهَا |
|
|
فَإِنَّ قِرَابَ الْبَطْنِ يَكْفِيكَ مِلْؤُهُ |
وَ يَكْفِيكَ سَوْءَاتُ الْأُمُورِ اجْتِنَابُهَا |
|
|
وَ لَا تَكُ مِبْذَالًا لِعِرْضِكَ وَ اجْتَنِبْ |
رُكُوبَ الْمَعَاصِي يَجْتَنِبْكَ عِقَابُهَا |
|
.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ لِكَعْبٍ مَا يُذْهِبُ الْعُلُومَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ إِذْ وَعُوهُ وَ عَقَلُوهُ قَالَ الشَّرَهُ وَ الطَّمَعُ وَ طَلَبُ الْحَوَائِجِ فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ فَسِّرْ لَنَا هَذَا قَالَ يَطْمَعُ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ فَيَطْلُبُهُ وَ يَذْهَبُ عَلَيْهِ دِينُهُ وَ الشَّرَهُ فَشَرَهُ النَّفْسِ فِي هَذَا وَ فِي هَذَا حَتَّى تُحِبَّ أَنْ لَا يَفُوتَهَا شَيْءٌ وَ يَكُونُ لَكَ إِلَى هَذَا حَاجَةٌ فَإِذَا قَضَاهَا خَرَمَ أَنْفَكَ[١] وَ قَادَكَ حَيْثُ شَاءَ وَ خَضَعْتَ لَهُ فَمِنْ حُبِّكَ لِلدُّنْيَا سَلَّمْتَ عَلَيْهِ وَ عُدْتَهُ إِذَا مَرِضَ وَ لَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ لِلَّهِ وَ لَا عُدْتَهُ لِلَّهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ كَانَ خَيْراً لَكَ.
وَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مِنْ عَجِيبِ أَمْرِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ لَوْ نُودِيَ لَهُ بِدَوَامِ الْبَقَاءِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ فِي قُوَى خَلِيقَتِهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْجَمْعِ أَكْثَرُ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ وَ تَوَقُّعِ الزَّوَالِ.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ قَالَ مِنْ بَيْدَرِ[٢] اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الَّذِي خَلَقَ الرَّحَى وَ هُوَ يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَضْرَاسِهِ
علاج الحرص و الطمع و الدواء الذي يكتسب به صفة القناعة
اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان الصبر و العلم و العمل و مجموع ذلك من أمور و هو العمل بالاقتصاد في المعيشة و الرفق في الإنفاق فمن أراد عز القناعة
[١] خرمه خرما بالفتح فالسكون من باب ضرب: ثقبه.- و خرم انفه: شق وترتها.
[٢] البيدر: الموضع الذي يجمع فيه الحنطة و يداس و بالفارسية خرمنگاه.