تنقيح مباني الحج - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٣ - اختصاص سفر الحج بأمور أخر
تضرّعهم و استكانتهم و رجموا شياطينهم بجمارهم و خلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم و قضاء تفثهم ليطهّروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم و بينه و ليزوروا البيت على طهارة منهم، ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرق و كنه العبودية؛ فجعلهم تارة يطوفون فيه و يتعلّقون بأستاره و يلوذون بأركانه و أخرى يسعون بين يديه مشيا و عدوا ليتبيّن لهم عزّ الربوبية و ذلّ العبودية و ليعرفوا أنفسهم و يضع الكبر من رؤوسهم و يجعل نير الخضوع في أعناقهم و يستشعروا شعار المذلّة و ينزعوا ملابس الفخر و العزّة، و هذا من أعظم فوائد الحج.
مضافا إلى ما فيه من التذكّر بالإحرام و الوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر و أهوال يوم القيامة، إذ الحج هو الحشر الأصغر و إحرام النّاس و تلبيتهم و حشرهم إلى المواقف و وقوفهم بها و الهين متضرّعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة و الشّقاء أشبه شيء بخروج النّاس من أجداثهم و توشّحهم بأكفانهم و استغاثتهم من ذنوبهم و حشرهم إلى صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحاج في طوافهم و سعيهم و رجوعهم و عودهم يشبه أطوار الخائف الوجل المضطرب المدهوش الطالب ملجأ و مفزعا نحو أهل المحشر في أحوالهم و أطوارهم، فبحلول هذه المشاعر و الجبال الشعب و الطلال ولدى وقوفه بموافقه العظام يهون ما بأمامه من أهوال يوم القيامة من عظائم يوم الحشر و شدائد النشر. عصمنا اللّه و جميع المؤمنين و رزقنا فوزه يوم الدّين، آمين ربّ العالمين.
***