نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢٠٠ - التحليل التأويليّ الجماليّ لبِنية الإيجاز في كتابهِ عليه السلام إلى أشراف البصرة
اِبتدأ نصّ كلامه ودخله مباشرة بـ(أَمَّاْ بَعْدُ) التي تفيد الأسلوب التركيبي المستأنف معنى فصل الخطاب، لشيء لا يُحتمل تجاوز خط شرع الله، فَعَمِدَ إليها ليفصل بها بين الحقّ والباطل الذي استشرى، وتعطي دلالة الدعوة لنصرة دين الله الإسلام.
لذا نجده تالياً على هذا الأسلوب ومؤكّداً بالجملة الاِسمية المشتملة على لفظ الجلالة (الله) التي وظّفها بديلة عن البسملة إذ يتقدم ذكر الله فيها مجاوراً لذكر الاصطفاء المحمّديّ، لأنَّ التأكيد جاء ليصدّق مرجعية الحقِّ بتناسق هذا التراتب من جانب، ولأنَّ هذا التأكيد بأداة التوكيد الأُمّ (إِنَّ) يفيد التّماسك، والائتلاف، والسَّبك بعدم الانقطاع بينهما، وبثبوت أزلية التواصل أيضاً، ويفرغ القول إفراغاً واحداً، فيصير أخَّاذاً يؤسر النفوس ويهزّها ([٢٨٣]).
وهذا التوكيد أجرى انزياحاً
لعمدة الجملة: (الله) في قوله: ( فَإِنَّ اللهَ اصْطَفَى
مُحَمَّدَاً|)، بعدما كانت فعلية: ( اصْطَفَى اللهُ مُحَمَّدَاً|)، إذْ إنَّ الإمام قدّمه على فعلهِ
ليعضّد مركز التوكيد الاِبتدائي في رتبتهِ التركيبية Y بأنَّ (الله) هو الاِبتداء قبل الاِصطفاء فضلاً على موضع
الاِختصاص به، وبالاِختيار، وبالتَّعيين له I، فهو الأوّل الذي لا أوّل قَبْلَهُ، إذ اصْطَفَى
مُحَمَّدَاً فصار مَظِنَّةَ قرب الله في
تراتب الجملة المؤكّدة، بفعل الاِصطفاء نفسه، وأكّد الإمام هذا التراتب بشِبه
الجملة المتعلقة به تعالى (عَلَى خَلْقِهِ)،
إذْ إنَّ الإضافة
[٢٨٣] - ينظر: التراكيب اللسانية في الخطاب الشعري القديم: ٤٨.