نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ١٤٠ - المبحث الثاني جمالية توظيف المفردات في نثر الإمام الحُسَين عليه السلام
لذا فالفرق واضح عند الناظر المتفحص إلى وزن (نقد/ فَعَلَ)، وإلى وزن (انتقاد/ افتعال)، والافتعال مصدر الفعل (نَقَدَ) وهو كذلك (النَّقْد)، وإذا كانت زيادة المبنى تؤول إلى زيادة في المعنى، فنحن عندما نمحص التأمل في قوله: (انْتِقَادُهُ) أي: اِختياره؛ اِنتقاؤه؛ اِصطفاؤه؛ اِتّخاذه؛ اِلتقاطه، فهي تختلف عما جاءت من المعاني في غير هذا الوزن عند معانيها المعجمية العامّة.
وعليه فالإمام صوّر حال (الاِنتقاد) وطبيعته ومظهره عَبْر الزيادة في عدد الأصوات أولاً، وجسّد بالزيادة كثرة انتقاد العالِم لحديثه، مع ملازمة سلوكه في أثنائه وخُلُقه ثانياً، وتبعاً لهذا تكون للزيادة إفادتان؛ الأولى: وظيفة لفظية للمفردة نفسها، والثانية: عمليّة يباشرها العالِم صاحب الانتقاد لحديثه مع ما يصاحبه من تقويم لعيوبه. وعلى هذا فإنّ مفردة الانتقاد يكون لها انمياز عن سواها، إذْ إنّ صاحب (الانتقاد) يديم النظر ويطيل التفكّر ويكثر المراجعة لحديثه بصمتٍ واختلاس وبفطنة وذكاء!، وما إن تتحقّق له هذه الدربة في تقبّل (الانتقاد) على نفسه(الذات) وهي نعمة عظيمة، سيكون في اللحظة نفسها مستعدّاً لتقبّل انتقاد الآخر له، نفسيّاً ووجدانياً وفكريّاً وروحياً، وأكّد هذا المعنى الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليهما السلام)، بقوله:
أَحَبُّ إِخْوَانِي إِلَيَّ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوْبِي([١٨٦]).
فعدّ الإشارة إلى العيوب من أخيه بمنزلة الهدية المقدّمة إليه، لأنّها
[١٨٦]- تحف العقول عن آلِ الرسول: أبو محمّد بن شعبة الحرّانيّ: ٢٦٨.