إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٧ - الحق الخامس
و روى في الإسرائيليات، أن أخوين عابدين كانا في جبل،نزل أحدهما ليشتري من المصر لحما بدرهم،فرأى بغياّ عند اللحام،فرمقها و عشقها،و اجتذبها إلى خلوة و واقعها ثم أقام عندها ثلاثا،و استحيا أن يرجع إلى أخيه حياء من جنايته.قال فافتقده أخوه و اهتم بشأنه،فنزل إلى المدينة،فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه.فدخل إليه و هو جالس معها فاعتنقه و جعل يقبله و يلتزمه.و أنكر الآخر أنه يعرفه قط لفرط استحيائه منه فقال قم يا أخي فقد علمت شأنك و قصتك،و ما كنت قط أحب إلي و لا أعز من ساعتك هذه.فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه،قام فانصرف معه،فهذه طريقة قوم،و هي ألطف و أفقه من طريقة أبي ذر رضي اللّه عنه،و طريقته أحسن و أسلم فإن قلت،و لم قلت هذا ألطف و أفقه؟و مقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء فتجب مقاطعته انتهاء،لأن الحكم إذا ثبت بعلة،فالقياس أن يزول بزوالها.و علة عقد الأخوة التعاون في الدين،و لا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية،فأقول أما كونه ألطف فلما فيه من الرفق و الاستمالة،و التعطف المفضى إلى الرجوع و التوبة،لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة.و مهما قوطع و انقطع طمعه عن الصحبة،أصر و استمر.و أما كونه أفقه فمن حيث إن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة،فإذا انعقدت تأكد الحق،و وجب الوفاء و بموجب العقد، و من الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته و فقره.و فقر الدين أشد من فقر المال.و قد أصابته جائحة،و ألمت به آفة افتقر بسببها في دينه،فينبغي أن يراقب و يراعى و لا يهمل بل لا يزال يتلطف به ليعان على الخلاص من تلك الوقعة التي ألمت به.فالأخوة عدة للنائبات و حوادث الزمان،و هذا من أشد النوائب.و الفاجر إذا صحب تقيا و هو ينظر إلى خوفه و مداومته،فسيرجع على قرب،و يستحيي من الإصرار.بل الكسلان يصحب الحريص في العمل،فيحرص حياء منه.قال جعفر بن سليمان. مهما فترت في العمل،نظرت إلى محمد ابن واسع و إقباله على الطاعة،فيرجع إليّ نشاطي في العبادة،و فارقنى الكسل،و عملت عليه أسبوعا.و هذا التحقيق و هو أن الصداقة لحمة كلحمة النسب، و القريب لا يجوز أن يهجر بالمعصية.و لذلك قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم في عشيرته فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّٰا تَعْمَلُونَ [١]و لم يقل انى بريء منكم،مراعاة لحق القرابة و لحمة النسب.و إلى هذا أشار
[١] الشعراء:٢١٦