إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٦ - أما الدرجة الرابعة
فمن ذلك ما روى عن يحيى بن كثير أنه شرب الدواء،فقالت له امرأته لو تمشيت في الدار قليلا حتى يعمل الدواء؟فقال هذه مشية لا أعرفها،و أنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة،فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين،فلم بجز الإقدام عليها.و عن سري رحمه اللّه أنه قال:انتهيت إلى حشيش في جبل،و ماء يخرج منه،فتناولت من الحشيش، و شربت من الماء،و قلت في نفسي،إن كنت قد أكلت يوما حلالا طيبا فهو هذا اليوم فهتف بي هاتف،إن القوة التي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي؟فرجعت و ندمت و من هذا ما روى عن ذي النون المصري أنه كان جائعا محبوسا ،فبعثت إليه امرأة صالحة طعاما على يد السجان.فلم يأكل،ثم اعتذر و قال،جاءني على طبق ظالم.يعنى أن القوة التي أوصلت الطعام إلىّ لم تكن طيبة.و هذه الغاية القصوى في الورع و من ذلك أن بشرا رحمه اللّه،كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء .فإن النهر سبب لجريان الماء و وصوله إليه،و ان كان الماء مباحا في نفسه،فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأجراء،و قد أعطوا الأجرة من الحرام.و لذلك امتنع بعضهم من العنب الحلال،من كرم حلال،و قال لصاحبه أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجرى في النهر الذي حفرته الظلمة .و هذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء،لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء.و كان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة مع أن الماء مباح،و لكنه بقي محفوظا بالمصنع الذي عمل به بمال حرام،فكأنه انتفاع به .
و امتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله،لأن يد السجان لا توصف بأنها حرام،بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه و لكنه وصل إليه بقوّة اكتسبت بالغذاء الحرام.و لذلك تقيأ الصديق رضي اللّه عنه من اللبن،خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوّة.مع أنه شربه عن جهل،و كان لا يجب إخراجه.و لكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين و من ذلك التورع من كسب حلال اكتسبه خياط يخيط في المسجد .فإن أحمد رحمه اللّه كره جلوس الخياط في المسجد.و سئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر،في وقت يخاف