إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢ - الثالث أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة
و أربعة من الصناع موسومون عند الناس بضعف الرأي:الحاكة،و القطانون،و المغازليون و المعلمون .و لعل ذلك لان أكثر مخالطتهم مع النساء و الصبيان،و مخالطة ضعفاء العقول تضعف العقل،كما ان مخالطة العقلاء تزيد في العقل،و عن مجاهد أن مريم عليها السلام مرت في طلبها لعيسى عليه السلام بحاكة،فطلبت الطريق ،فأرشدوها غير الطريق،فقالت اللهم انزع البركة من كسبهم و أمتهم فقراء،و حقرهم في أعين الناس.فاستجيب دعاؤها و كره السلف أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات و فروض الكفايات، كغسل الموتى و دفنهم،و كذا الأذان و صلاة التراويح،و ان حكم بصحة الاستئجار عليه و كذا تعليم القرءان،و تعليم علم الشرع،فان هذه أعمال حقها أن يتجر فيها للآخرة و أخذ الأجرة عليها استبدال بالدنيا عن الآخرة،و لا يستحب ذلك
الثالث أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة.
و أسواق الآخرة المساجد .قال اللّه تعالى رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ إِقٰامِ الصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءِ الزَّكٰاةِ [١]و قال اللّه تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [٢]فينبغي أن يجعل أول النهار الى وقت دخول السوق لآخرته،فيلازم المسجد،و يواظب على الأوراد .كان عمر رضى اللّه عنه يقول للتجار،اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم،و ما بعده لدنياكم.و كان صالحو السلف يجعلون أول النهار و آخره للآخرة،و الوسط للتجارة.و لم يكن ببيع الهريسة و الرءوس بكرة الا الصبيان و أهل الذمة،لانهم كانوا في المساجد بعد.و في الخبر[١]«إنّ الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد و فيها في أوّل النّهار و في آخره ذكر اللّه و خير كفّر اللّه عنه ما بينهما من سيّئ الأعمال »و في الخبر[٢]«تلتقي ملائكة اللّيل و النّهار عند طلوع الفجر و عند صلاة العصر فيقول اللّه تعالى و هو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟
[١] النور:٣٧
[٢] النور:٣٦