إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦ - مسألة
مسألة:
إذا حصل في يده مال لا مالك له،و جوزنا له أن يأخذ قدر حاجته لفقره،ففي قدر حاجته نظر ذكرناه في كتاب أسرار الزكاة.فقد قال قوم يأخذ كفاية سنة لنفسه و عياله.
و إن قدر على شراء ضيعة أو تجارة يكتسب بها للعائلة فعل.و هذا ما اختاره المحاسبي و لكنه قال الأولى أن يتصدق بالكل إن وجد من نفسه قوة التوكل.و ينتظر لطف اللّه تعالى في الحلال.فإن لم يقدر فله أن يشترى ضيعة،أو يتخذ رأس مال يتعيش بالمعروف منه و كل يوم وجد فيه حلالا أمسك ذلك اليوم عنه،فإذا فنى عاد إليه،فإذا وجد حلالا معينا تصدق بمثل ما أنفقه من قبل،و يكون ذلك قرضنا عنده.ثم إنه يأكل الخبز و يترك اللحم إن قوى عليه.و إلا أكل اللحم من غير تنعم و توسع.و ما ذكره لا مزيد عليه.و لكن جعل ما أنفقه قرضا عنده فيه نظر.و لا شك في أن الورع أن يجعله قرضا.فإذا وجد حلالا تصدق بمثله.و لكن مهما لم يجب ذلك على الفقير الذي يتصدق به عليه،فلا يبعد أن لا يجب عليه أيضا إذا أخذه لفقره،لا سيما إذا وقع في يده من ميراث،و لم يكن متعديا بغصبه و كسبه،حتى يغلظ الأمر عليه فيه.
مسألة:
إذا كان في يده حلال و حرام أو شبهة،و ليس يفضل الكل عن حاجته.فإذا كان له عيال فليخص نفسه بالحلال،لأن الحجة عليه أوكد في نفسه منه في عبده و عياله و أولاده الصغار .و الكبار من الأولاد يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي بهم إلى ما هو أشد منه.فان أفضى فيطعمهم بقدر الحاجة.و بالجملة كل ما يحذره في غيره فهو محذور في نفسه و زيادة.و هو أنه يتناول مع العلم،و العيال ربما تعذر إذا لم تعلم.إذ لم تتول الأمر بنفسها فليبدأ بالحلال بنفسه ثم بمن يعول .و إذا تردد في حق نفسه بين ما يخص قوته و كسوته و بين غيره من المؤن،كأجرة الحجام و الصباغ و القصار و الحمال،و الاطلاء بالنورة و الدهن و عمارة المنزل،و تعهد الدابة،و تسجير التنور،و ثمن الحطب،و دهن السراج،فليخص بالحلال قوته و لباسه،فان ما يتعلق ببدنه و لا غنى به عنه هو أولى بأن يكون طيبا.و إذا دار الأمر بين القوت و اللباس،فيحتمل أن يقال يخص القوت بالحلال،لأنه ممتزج بلحمه و دمه