إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٦ - بيان
قد خللها على صدره بخلال،إذ نزل جبريل عليه السلام،فأقرئه عن اللّه السلام،و قال يا رسول اللّه مالى أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها على صدره بخلال؟فقال«أنفق ماله علىّ قبل الفتح» قال فأقرئه من اللّه السلام،و قل له يقول لك ربك،أ راض أنت عنى في فقرك هذا أم ساخط قال فالتفت النبي صلّى اللّه عليه و سلم إلى أبي بكر و قال«يا أبا بكر هذا جبريل يقرئك السّلام من اللّه و يقول أ راض أنت عنّى في فقرك هذا أم ساخط؟»قال فبكى أبو بكر رضى اللّه عنه و قال،أعلى ربي أسخط!أنا عن ربي راض،أنا عن ربي راض فحصل من هذا أن كل من أحب عالما أو عابدا،أو أحب شخصا راغبا في علم أو في عبادة أو في خير،فإنما أحبه في اللّه و للّٰه،و له فيه من الأجر و الثواب بقدر قوّة حبه.فهذا شرح الحب في اللّه و درجاته،و بهذا يتضح البغض في اللّه أيضا،و لكن نزيده بيانا
بيان
(البغض في اللّه)
اعلم أن كل من يحب في اللّه لا بد أن يبغض في اللّه.فإنك إن أحببت إنسانا لأنه مطيع للّٰه،و محبوب عند اللّه،فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص للّٰه،و ممقوت عند اللّه.
و من أحب بسبب،فبالضرورة يبغض لضده.و هذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر،و هو مطرد في الحب و البغض في العادات،و لكن كل واحد من الحب و البغض داء دفين في القلب،و إنما يترشح عند الغلبة،و يترشح بظهور أفعال المحبين و المبغضين في المقاربة و المباعدة،و في المخالفة و الموافقة.فإذا ظهر في الفعل سمى موالاة و معاداة.و لذلك قال اللّه تعالى هَلْ وَالَيْتَ فِىَّ وَلِيّا وَ هَلْ عَادَيْتَ فِىَّ عَدُوًّا كما نقلناه و هذا واضح في حق من لم يظهر لك إلا طاعاته،تقدر على أن تحبه،أو لم يظهر لك الا فسقه و فجوره و أخلاقه السيئة،فتقدر على أن تبغضه.و إنما المشكل إذا اختلطت الطاعات بالمعاصي.فإنك تقول كيف أجمع بين البغض و المحبة و هما متناقضان.و كذلك تتناقض ثمرتهما من الموافقة و المخالفة،و الموالاة و المعاداة.فأقول ذلك غير متناقض في حق اللّه تعالى كما لا يتناقض في الحظوظ البشرية.فإنه مهما اجتمع في شخص واحد خصال يحب بعضها