إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٥ - الحالة الثانية أن يكون مشكوكا فيه
الحالة الثانية:أن يكون مشكوكا فيه
بسبب دلالة أورثت ريبة.فلنذكر صورة الريبة ثم حكمها أما صورة الريبة.فهو ان تدله على تحريم ما في يده دلالة إما من خلقته أو من زيه و ثيابه أو من فعله و قوله،أما الخلقة فبأن يكون على خلقة الأتراك و البوادي،و المعروفين بالظلم و قطع الطريق و أن يكون طويل الشارب ،و أن يكون الشعر مفرقا على رأسه على دأب أهل الفساد.و أما الثياب فالقباء و القلنسوة و زي أهل الظلم و الفساد من الأجناد و غيرهم .و أما الفعل و القول فهو أن يشاهد منه الإقدام على ما لا يحل،فإن ذلك يدل على أنه يتساهل أيضا في المال،و يأخذ ما لا يحل فهذه مواضع الريبة.
فإذا أراد أن يشترى من مثل هذا شيئا أو يأخذ منه هدية أو يجيبه إلى ضيافة،و هو غريب مجهول عنده،لم يظهر له منه إلا هذه العلامات فيحتمل أن يقال اليد تدل على الملك،و هذه الدلالات ضعيفة،فالإقدام جائز،و الترك من الورع.و يحتمل أن يقال إن اليد دلالة ضعيفة و قد قابلها مثل هذه الدلالة فأورثت ريبة،فالهجوم غير جائز.و هو الذي نختاره و نفتي به لقوله صلّى اللّه عليه و سلم[١]«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»فظاهره أمر،و إن كان يحتمل الاستحباب لقوله صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«الإثم حزّاز القلوب»و هذا له وقع في القلب لا ينكر.و لأن النبي صلّى اللّه عليه و سلم سأل أ صدقة هو أو هدية،و سأل أبو بكر رضى اللّه عنه غلامه،و سأل عمر رضى اللّه عنه،و كل ذلك كان في موضع الريبة.و حمله على الورع و إن كان ممكنا،و لكن لا يحمل عليه إلا بقياس حكمى.و القياس ليس يشهد بتحليل هذا.
فإن دلالة اليد و الإسلام،و قد عارضتها هذه الدلالات،أو رثت ريبة.فإذا تقابلا فالاستحلال لا مستند له .و إنما لا يترك حكم اليد و الاستصحاب بشك لا يستند إلى علامة ،كما إذا وجدنا الماء متغيرا،و احتمل أن يكون بطول المكث،فإن رأينا ظبية بالت فيه،ثم احتمل التغيير به،تركنا الاستصحاب.و هذا قريب منه.و لكن بين هذه الدلالات تفاوت.فإن طول الشوارب و لبس القباء و هيأة الأجناد يدل على الظلم بالمال.أما القول و الفعل المخالفان للشرع إن تعلقا بظلم المال،فهو أيضا دليل ظاهر كما لو سمعه يأمر بالغصب و الظلم،أو يعقد عقد الربا