إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧١ - الحق الثاني
أصحابه،فاجتنى منها سواكين،أحدهما معوج،و الآخر مستقيم.فدفع المستقيم إلى صاحبه فقال له يا رسول اللّه:كنت و اللّه أحق بالمستقيم منى.فقال«ما من صاحب يصحب صاحبا و لو ساعة من النّهار إلاّ سئل عن صحبته هل أقام فيها حقّ اللّه أم أضاعه» فأشار بهذا إلى أن الإيثار هو القيام بحق اللّه في الصحبة.و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلى بئر يغتسل عندها،فأمسك حذيفة بن اليمان الثوب،و قام يستر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]حتى اغتسل.ثم جلس حذيفة ليغتسل،فتناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الثوب،و قام يستر حذيفة عن الناس.فأبى حذيفة و قال:بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه لا تفعل.فأبى عليه السلام إلا أن يستره بالثوب حتى اغتسل.و قال صلّى اللّه و سلم[٢] «ما اصطحب اثنان قطّ إلاّ كان أحبّهما إلى اللّه أرفقهما بصاحبه» و روي أن مالك بن دينار و محمد بن واسع،دخلا منزل الحسن،و كان غائبا،فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن،فجعل يأكل.فقال له مالك:كف يدك حتى يجيء صاحب البيت فلم يلتفت محمد إلى قوله،و أقبل على الأكل.و كان مالك أبسط منه و أحسن خلقا،فدخل الحسن،و قال يا مويلك،هكذا كنا،لا يحتشم بعضنا بعضا،حتى ظهرت أنت و أصحابك و أشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الاخوان من الصفاء في الأخوة.كيف و قد قال اللّه تعالى أَوْ صَدِيقِكُمْ [١]و قال أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه، و يفوّض التصرف كما يريد.و كان أخوه يتحرج عن الأكل بحكم التقوي،حتى أنزل اللّه تعالى هذه الآية،و أذن لهم في الانبساط في طعام الاخوان و الأصدقاء
الحق الثاني
في الإعانة بالنفس
في قضاء الحاجات و القيام بها قبل السؤال،و تقديمها على الحاجات الخاصة.و هذه أيضا لها درجات،كما للمواساة بالمال.فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال و القدرة و لكن مع البشاشة و الاستبشار،و إظهار الفرح و قبول المنة.قال بعضهم:إذا استقضيت
[١] النور:٦١