إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٠ - القسم الثالث أن يحبه لا لذاته،بل لغيره
إن اتصل به غرض مذموم صار مذموما،كحب الصورة الجميلة لقضاء الشهوة حيث لا يحل قضاؤها،و إن لم يتصل به عرض مذموم،فهو مباح لا يوصف بحمد و لا ذم،إذ الحب إما محمود و إما مذموم،و إما مباح لا يحمد و لا يذم
القسم الثاني:أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته
،فيكون وسيلة إلى محبوب غيره،و الوسيلة إلى المحبوب محبوب،و ما يحب لغيره كان ذلك الغير هو المحبوب بالحقيقة،و لكن الطريق إلى المحبوب محبوب..و لذلك أحب الناس الذهب و الفضة،و لا غرض فيهما،إذ لا يطعم و لا يلبس،و لكنهما وسيلة إلى المحبوبات،فمن الناس من يحب كما يحب الذهب و الفضة من حيث إنه وسيلة إلى المقصود،إذ يتوصل به إلى نيل جاه أو مال أو علم،كما يحب الرجل سلطانا لانتفاعه بماله أو جاهه،و يحب خواصه لتحسينهم حاله عنده،و تمهيدهم أمره في قلبه فالمتوسل إليه إن كان مقصور الفائدة على الدنيا،لم يكمن حبه من جملة الحب في اللّه.و إن لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا،و لكنه ليس يقصد به إلا الدنيا،كحب التلميذ لأستاذه فهو أيضا خارج عن الحب للّٰه.فإنه إنما يحبه ليحصل منه العلم لنفسه،فمحبوبه العلم،فإذا كان لا يقصد العلم للتقرب إلى اللّه،بل لينال به الجاه و المال و القبول عند الخلق،فمحبوبه الجاه و القبول،و العلم وسيلة إليه،و الأستاذ وسيلة إلى العلم،فليس في شيء من ذلك حب للّٰه،إذ يتصور كل ذلك ممن لا يؤمن باللّه تعالى أصلا ثم ينقسم هذا أيضا إلى مذموم و مباح،فإن كان يقصد به التوصل إلى مقاصد مذمومة من قهر الأقران و حيازة أموال اليتامى و ظلم الرعاة بولاية القضاء أو غيره،كان الحب مذموما و إن كان يقصد به التوصل إلى مباح،فهو مباح،و إنما تكتسب الوسيلة الحكم و الصفة من المقصد المتوصل إليه،فإنها تابعة له غير قائمة بنفسها.
القسم الثالث:أن يحبه لا لذاته،بل لغيره.
و ذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة.فهذا أيضا ظاهر لا غموض فيه.و ذلك كمن يحب أستاذه و شيخه،لانه يتوصل به إلى تحصيل العلم و تحسين العمل،و مقصوده من العلم و العمل الفوز في الآخرة.فهذا من جملة المحيين في اللّه.و كذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم و ينال بواسطته رتبة التعليم،و يرقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء.إذ قال