إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠ - الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات
و لينو اتباع طريق العدل و الإحسان في معاملته كما ذكرناه و لينو الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر في كل ما يراه في السوق فإذا أضمر هذه العقائد و النيات كان عاملا في طريق الآخرة.فان استفاد مالا فهو مزيد،و ان خسر في الدنيا ربح في الآخرة .
الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات.
فان الصناعات و التجارات لو تركت بطلت المعايش،و هلك أكثر الخلق.فانتظام أمر الكل بتعاون الكل،و تكفل كل فريق بعمل.و لو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي و هلكوا و على هذا حمل بعض الناس قوله صلّى اللّه عليه و سلم[١]«اختلاف أمّتى رحمة»أي اختلاف هممهم في الصناعات و الحرف .
و من الصناعات ما هي مهمة،و منها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب النعم و التزين في الدنيا.فليشتغل بصناعة مهمة،ليكون في قيامه بها كافيا عن المسلمين،مهما في الدين .و ليجتنب صناعة النقش و الصياغة و تشييد البنيان بالجص،و جميع ما تزخرف به الدنيا.فكل ذلك كرهه ذوو الدين فأما عمل الملاهي و الآلات التي يحرم استعمالها،فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم.و من جملة ذلك خياطة الخياط القباء من الابريسم للرجال،و صياغة الصائغ مراكب الذهب أو خواتيم الذهب للرجال.فكل ذلك من المعاصي،و الأجرة المأخوذة عليه حرام .و لذلك أوجبنا الزكاة فيها،و أن كنا لا نوجب الزكاة في الحلي،لانها إذا قصدت للرجال فهي محرمة،و كونها مهيأة للنساء لا يلحقها بالحلى المباح ما لم يقصد ذلك بها، فيكتسب حكمها من القصد و قد ذكرنا أن بيع الطعام و بيع الأكفان مكروه.لأنه يوجب انتظار موت الناس و حاجتهم بغلاء السعر و يكره أن يكون جزارا لما فيه من قساوة القلب.و أن يكون حجاما أو كناسا لما فيه من مخامرة النجاسة .و كذا الدباغ و ما في معناه.و كره ابن سيرين الدلال.و كره قتادة أجرة الدلال .و لعل السبب فيه قلة استغناء الدلال عن الكذب،و الإفراط في الثناء على السلعة لترويجها،و لان العمل فيه لا يتقدر،فقد يقل و قد يكثر،و لا ينظر في مقدار