إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - الحالة الثالثة أن يعتزلهم
ثم نظر سليمان إلى الناس،فقال ما أكثر الناس!فقال عمر:خصماؤك يا أمير المؤمنين.
فقال له سليمان:ابتلاك اللّه بهم و حكى أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة و هو يريد مكة،فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال له سليمان:يا أبا حازم ،ما لنا نكره الموت؟فقال:لأنكم خربتم آخرتكم و عمرتم دنياكم،فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.فقال:يا أبا حازم،كيف القدوم على اللّه؟قال:يا أمير المؤمنين،أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله.و أما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.فبكى سليمان و قال:ليت شعري مالي عند اللّه؟قال أبو حازم اعرض نفسك على كتاب اللّه تعالى حيث قال إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ [١]قال سليمان:فأين رحمة اللّه؟قال قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .ثم قال سليمان:يا أبا حازم أي عباد اللّه أكرم؟قال أهل البر و التقوى.قال فأي الأعمال أفضل؟قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم .قال:فأي الكلام أسمع؟قال:قول الحق عند من تخاف و ترجو.قال فأي المؤمنين أكيس؟قال:رجل عمل بطاعة اللّه و دعا الناس إليها.قال:فأي المؤمنين أخسر؟ قال:رجل خطا في هوى أخيه و هو ظالم،فباع آخرته بدنيا غيره .قال سليمان:ما تقول فيما نحن فيه؟قال أو تعفيني؟قال لا بد فإنها نصيحة تلقيها إلىّ.قال يا أمير المؤمنين،إن آباءك قهروا الناس بالسيف،و أخذوا هذا الملك عنوة،من غير مشورة من المسلمين و لا رضا منهم،حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة،و قد ارتحلوا،فلو شعرت بما قالوا و ما قيل لهم! فقال له رجل من جلسائه:بئسما قلت.قال أبو حازم:إن اللّه قد أخذ الميثاق على العلماء ليبينه للناس و لا يكتمونه.قال:و كيف لنا أن نصلح هذا الفساد؟قال أن تأخذه من حله فتضعه في حقه.فقال سليمان:و من يقدر على ذلك؟فقال:من يطلب الجنة و يخاف من النار فقال سليمان:ادع لي،فقال أبو حازم:اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا و الآخرة و إن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحب و ترضى .فقال سليمان:أوصني.فقال:أوصيك و أوجز،عظم ربك،و نزهه أن يراك حيث نهاك،أو يفقدك حيث أمرك .و قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم:عظني،فقال:اضطجع،ثم اجعل الموت عند رأسك،ثم انظر
[١] الانفطار:١٣،١٤