إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦ - السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام
ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله.و كذا الأجناد و الظلمة لا يعاملهم البتة،و لا يعامل أصحابهم و أعوانهم لأنه معين بذلك على الظلم و حكى عن رجل أنه تولى عمارة سور لثغر من الثغور،قال فوقع في نفسي من ذلك شيء و إن كان ذلك العمل من الخيرات،بل من فرائض الإسلام،و لكن كان الأمير الذي تولى في محلته من الظلمة.قال فسألت سفيان رضى اللّه عنه،فقال لا تكن عونا لهم على قليل و لا كثير.فقلت هذا سور في سبيل اللّه للمسلمين.فقال نعم،و لكن أقل ما يدخل عليك أن تحب بقاءهم ليوفوك أجرك،فتكون قد أحببت بقاء من يعصى اللّه.و قد جاء في الخبر[١] «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصي اللّه في أرضه»و في الحديث[٢]«إنّ اللّه ليغضب إذا مدح الفاسق »في حديث آخر[٣]«من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام» و دخل سفيان على المهدي و بيده درج أبيض ،فقال يا سفيان أعطني الدواة حتى أكتب فقال أخبرني أي شيء تكتب،فان كان حقا أعطيتك.و طلب بعض الأمراء من بعض العلماء المحبوسين عنده أن يناوله طينا ليختم به الكتاب ،فقال ناولني الكتاب أولا حتى أنظر ما فيه.فهكذا كانو يحترزون عن معاونة الظلمة،و معاملتهم أشد أنواع الإعانة.فينبغي أن يجتنبها ذوو الدين ما وجدوا إليه سبيلا و بالجملة فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل و من لا يعامل،و ليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمان.قال بعضهم أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق و يقول،من ترون لي أن أعامل من الناس؟فيقال له عامل من شئت.ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون عامل من شئت إلا فلانا و فلانا.ثم أتى زمان آخر فكان يقال لا تعامل أحدا إلا فلانا و فلانا.و أخشى أن يأتي زمان يذهب هذا أيضا.و كأنه قد كان الذي كان يحذر أن يكون.انا اللّه و انا إليه راجعون