إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٩ - النظر الأول
فان قيل:هب أنه أخذ باليقين،لكن الذي يخرجه ليس يدرى أنه عين الحرام،فلعل الحرام ما بقي في يده،فكيف يقدم عليه؟و لو جاز هذا،لجاز أن يقال إذا اختلطت ميتة بتسع مذكاة فهي العشر،فله أن يطرح واحدة أي واحدة كانت،و يأخذ الباقي و يستحله و لكن يقال لعل الميتة فيما استبقاه.بل لو طرح التسع و استبقى واحدة لم تحل،لاحتمال أنها الحرام فنقول:هذه الموازنة كانت تصح لو لا أن المال يحل بإخراج البدل لتطرق المعاوضة إليه .و أما الميتة فلا تتطرق المعاوضة إليها.فليكشف الغطاء عن هذا الإشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر،فيمن له درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه.و قد سئل أحمد بن حنبل رضى اللّه عنه عن مثل هذا،فقال يدع الكل حتى يتبين .و كان قد رهن آنية،فلما قضى الدين حمل إليه المرتهن آنيتين،و قال لا أدرى أيتهما آنيتك،فتركهما فقال المرتهن هذا هو الذي لك،و إنما كنت أختبرك.فقضى دينه و لم يأخذ الرهن.و هذا ورع.و لكنا نقول إنه غير واجب فلنفرض المسألة في درهم له مالك معين حاضر،فنقول إذا ردأ أحد الدرهمين عليه،و رضى به مع العلم بحقيقة الحال،حل له الدرهم الآخر.لأنه لا يخلو إما أن يكون المردود في علم اللّه هو المأخوذ،فقد حصل المقصود.و إن كان غير ذلك،فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه.فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ .فإن لم يفعلا وقع التقاصّ و التبادل بمجرد المعاطاة و إن كان المغصوب منه قد فات له درهم في يد الغاصب،و عسر الوصول إلى عينه،و استحق ضمانه،فلما أخذه وقع عن الضمان بمجرد القبض.و هذا في جانبه واضح.فإن المضمون له يملك الضمان بمجرد القبض من غير لفظه.و الإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه فنقول:لأنه أيضا إن كان قد تسلم درهم نفسه،فقد فات له أيضا درهم في يد الآخر،فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغائب،فيقع هذا بدلا عنه في علم اللّه إن كان الأمر كذلك.
و يقع هذا التبادل في علم اللّه كما يقع التقاص لو أتلف رجلان كل واحد منهما درهما على صاحبه.بل في عين مسألتنا لو ألقى كل واحد ما في يده في البحر،أو أحرفه،كان قد أتلفه و لم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التقاص فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير