إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٩ - بيان
و طرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي.و كلهم اتفقوا على إظهار البغض للظلمة و المبتدعة،و كل من عصى اللّه بمعصية متعدية منه إلى غيره.فأما من عصى اللّه في نفسه،فمنهم من نظر بعين الرحمة إلى العصاة كلهم،و منهم من شدد الإنكار و اختار المهاجرة.فقد كان أحمد بن حنبل يهجر الأكابر في أدنى كلمة حتى هجر يحيى بن معين لقوله إنى لا أسأل أحدا شيئا،و لو حمل السلطان إلىّ شيئا لأخذته.و هجر الحرث المحاسبي في تصنيفه في الرد على المعتزلة،و قال إنك لا بد تورد أولا شبهتهم،و تحمل الناس على التفكر فيها،ثم ترد عليهم.و هجر أبا ثور في تأويله قوله صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ اللّه خلق آدم على صورته»و هذا أمر يختلف باختلاف النية.و تختلف النية باختلاف الحال.فإن كان الغالب على القلب النظر إلى اضطرار الخلق و عجزهم.و أنهم مسخرون لما قدروا له أورث هذا تساهلا في المعاداة و البغض،و له وجه.و لكن قد تلتبس به المداهنة.فأكثر البواعث على الإغضاء عن المعاصي المداهنة و مراعاة القلوب،و الخوف من وحشتها و نفارها.و قد يلبس الشيطان ذلك على الغبي الاحمق بأنه ينظر بعين الرحمة.و محك ذلك أن ينظر إليه بعين الرحمة إن جنى على خاص حقه،و يقول انه قد سخر له،و القدر لا ينفع منه الحذر،و كيف لا يفعله و قد كتب عليه فمثل هذا قد تصح له نية في الاغماض عن الجناية على حق اللّه.و إن كان يغتاظ عند الجناية على حقه،و يترحم عند الجناية على حق اللّه،فهذا مداهن مغرور بمكيدة من مكايد الشيطان،فليتنبه له فإن قلت فأقل الدرجات في إظهار البغض الهجر و الاعراض،و قطع الرفق و الإعانة فهل يجب ذلك حتى يعصى العبد بتركه؟فأقول لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف و الإيجاب.فإنا نعلم أن الذين شربوا الخمر و تعاطوا الفواحش في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و الصحابة،ما كانوا يهجرون بالكلية بل كانوا منقسمين فيهم من يغلظ القول عليه،و يظهر البغض له،و إلى من يعرض عنه،و لا يتعرض له،و إلى من ينظر إليه بعين الرحمة و لا يؤثر المقاطعة و التباعد فهذه دقائق دينية تختلف فيها طرق السالكين لطريق الآخرة،و يكون عمل كل