إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٧ - بيان
و يكره بعضها،فإنك تحبه من وجه،و تبغضه من وجه.فمن له زوجة حسناء فاجرة،أو ولد ذكى خدوم و لكنه فاسق،فإنه يحبه من وجه،و يبغضه من وجه،و يكون معه على حالة بين حالتين.إذ لو فرض له ثلاثة أولاد،أحدهم ذكى بار،و الآخر بليد عاق و الآخر بليد بار،أو ذكى عاق،فإنه يصادف نفسه معهم على ثلاثة أحوال متفاوته،بحسب تفاوت خصالهم.فكذلك ينبغي أن تكون حالك بالإضافة إلى من غلب عليه الفجور،و من غلبت عليه الطاعة،و من اجتمع فيه كلاهما،متفاوتة على ثلاث مراتب.و ذلك بأن تعطى كل صفة حظها من البغض و الحب،و الاعراض و الإقبال،و الصحبة و القطيعة،و سائر الافعال الصادرة منه فان قلت فكل مسلم فإسلامه طاعة منه،فكيف أبغضه مع الإسلام؟فأقول تحبه لإسلامه،و تبغضه لمعصيته.و تكون معه على حالة لو قستها بحال كافر أو فاجر أدركت تفرقة بينهما.و تلك التفرقة حب للاسلام،و قضاء لحقه.و قدر الجناية على حق اللّه،و الطاعة لك كالجناية على حقك و الطاعة لك فمن وافقك على غرض و خالفك في آخر،فكن معه على حالة متوسطة بين الانقباض و الاسترسال،و بين الإقبال و الاعراض،و بين التودد إليه و التوحش عنه.و لا تبالغ في إكرامه مبالغتك في إكرام من يوافقك على جميع اغراضك،و لا تبالغ في إهانته مبالغتك في إهانة من خالفك في جميع أغراضك.ثم ذلك التوسط تارة يكون ميله إلى طرف الاهانة عند غلبة الجناية،و تارة إلى طرف المجاملة و الإكرام عند غلبة الموافقة.فهكذا ينبغي أن يكون فيمن يطيع اللّه تعالى و يعصيه،و يتعرض لرضاه مرة و لسخطه أخرى فان قلت فبما ذا يمكن إظهار البغض؟فأقول أما في القول،فكيف اللسان عن مكالمته و محادثته مرة،و بالاستخفاف و التغليظ في القول أخرى.و أما في الفعل،فبقطع السعي في إعانته مرة،و بالسعي في إساءته و إفساد مآربه أخرى.و بعض هذا أشد من بعض و هي بحسب درجات الفسق و المعصية الصادرة منه.أما ما يجرى مجرى الهفوة التي يعلم أنه متندم عليها،و لا يصر عليها،فالأولى فيه الستر و الإغماض.أما ما أصر عليه من صغيرة أو كبيرة،فإن كان ممن تأكدت بينك و بينه مودة و صحبة و أخوة،فله حكم آخر و سيأتي،و فيه خلاف بين العلماء.و أما إذا لم تتأكد أخوة و صحبة،فلا بد من إظهار أثر