إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٥ - القسم الرابع أن يحب للّٰه و في اللّه
غائبين عنه،بحيث يعلم أنه لا يصيبه منهما خير و لا شر في الدنيا و لا في الآخرة.فذلك الميل هو حب في اللّه و للّٰه من غير حظ.فإنه إنما يحبه لأن اللّه يحبه،و لأنه مرضي عند اللّه تعالى و لأنه يحب اللّه تعالى،و لأنه مشغول بعبادة اللّه تعالى،إلا أنه إذا ضعف لم يظهر أثره،و لا يظهر به ثواب و لا أجر.فإذا قوى حمل على الموالاة و النصرة و الذب بالنفس و المال و اللسان و تتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب اللّه عز و جل و لو كان الحب مقصورا على حظ ينال من المحبوب في الحال أو المآل،لما تصور حب الموتى من العلماء و العباد،و من الصحابة و التابعين،بل من الأنبياء المنقرضين صلوات اللّه عليهم و سلامه،و حب جميعهم مكنون في قلب كل مسلم متدين.و يتبين ذلك بغضبه عند طعن أعدائهم في واحد منهم،و بفرحه عند الثناء عليهم و ذكر محاسنهم.و كل ذلك حب للّٰه،لأنهم خواص عباد اللّه،و من أحب ملكا أو شخصا جميلا أحب خواصه و خدمه و أحب من أحبه.إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس،و قد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظ إلا فيما هو حظ المحبوب.و عنه عبر قول من قال
أريد وصاله و يريد هجرى فأترك ما أريد لما يريد
و قول من قال:
و ما لجرح إذا أرضاكم ألم
و قد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض،كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثلثه أو في عشره.فمقادير الأموال موازين المحبة،إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته.فمن استغرق الحب جميع قلبه،لم يبق له محبوب سواه،فلا يمسك لنفسه شيئا،مثل أبي بكر الصديق رضى اللّه عنه،فإنه لم يترك لنفسه أهلا و لا مالا،فسلم ابنته التي هي قرة عينه،و بذل جميع ماله،قال ابن عمر رضى اللّه عنهما،بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]جالس و عنده أبو بكر،و عليه عباءة